كتب عادل احمد
أكد د. مختار جمعة وزير الأوقاف السابق أن الفرص أمام الشباب واعدة وعليهم أن يعدوا أنفسهم لها، محذرا من أن وأخطر ما يواجه الشباب هو اليأس أو التسرع، وأطلق دعوة مفادها (قل لي من قدوتك ومثلك الأعلى وغايتك في الحياة أقل لك من أنت).
جاء ذلك خلال كلمته بالقمة الدولية للقيادات الدينية، بالعاصمة الماليزية كوالالمبور والتي تعقد برعاية السيد أنور إبراهيم- رئيس وزراء ماليزيا- وبالشراكة بين رئاسة الوزراء بدولة ماليزيا ورابطة العالم الإسلامي.
وبيّن في كلمته المعنونة (الشباب وصناعة المستقبل بين التحديات والفرص)؛ أن ديننا الحنيف عُني بأمر الشباب وطاقاتهم وحسن توظيفها عناية خاصة وبالغة، يقول الحق سبحانه في شأن أهل الكهف: “نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى”، ويقول سبحانه في حق سيدنا يحيى عليه السلام: “يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا”، ويقول سبحانه في شأن سيدنا يوسف عليه السلام: “وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”، ويقول في شأن سيدنا موسى عليه السلام: “وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ”.
وقد حثَّنا نبينا الكريم- صلى الله عليه وسلم- على اغتنام مرحلة الشباب، فقال: “اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِك”، وقال: “سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: إمامٌ عادِلٌ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ اللهِ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ في خَلاءٍ ففاضَت عَيناه، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَسجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا في اللهِ، ورَجُلٌ دَعَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ إلى نَفسِها، قال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقةٍ فأخفاها حتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما صَنَعَت يَمينُه”.
وأولى- صلى الله عليه وسلم- الشباب اهتمامًا كبيرًا ومنحهم الثقة، وأحسن توظيف طاقاتهم وقدراتهم، وهيأ الظروف لتنمية مواهبهم، وتعظيم الاستفادة مما أفاء الله تعالى عليهم به من قوة البدن، ورجاحة العقل، ولين القلب، ولطف المشاعر, فهذا سيدنا معاذ بن جبل- رضي الله عنه- يمنحه النبي ثقته، ويولِّيه على اليمن وهو في ريعان شبابه، كما ولّي سيدنا أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قيادة الجيش وكان عمره ثمانية عشر عامًا في وجود كبار الصحابة رضي الله عنهم.
وهذا سيدنا سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- يختاره النبي ليكون من أصحاب الشورى، وكان النبي يشير إليه قائلاً: “هذا خالي؛ فليرني امرؤ خاله” وكان عمره سبعة عشر عامًا.
وهذا سيدنا أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- يكلف سيدنا زيد بن ثابت- رضي الله عنه- بجمع القرآن الكريم، قائلًا له: (إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلاَ نَتَّهِمُكَ، كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ)، وهو تكليف عظيم، ومهمة كبيرة قال عنها سيدنا زيد: (فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ القُرْآن)، وكان سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- يجلس ابن عباس- رضي الله عنهما- وهو في ريعان شبابه في مجلس شورى كبار الصحابة, ويقول: (ذَاكَ فَتَى الْكُهُولِ، إِنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا، وَقَلْبًا عَقُولًا).
اهتمام مستمر
أضاف د. مختار: ولم يقف دور الشباب عند عصر النبوة والخلفاء الراشدين, ففي العصر الأموي نبغ شباب كثيرون منهم محمد بن القاسم بن محمد؛ الذي نشأ وترعرع وتدرب على الجندية، حتى أصبح من كبار القادة العسكريين في عصره وعمره لم يتجاوز سبعة عشر عامًا؛ وفتح بلاد السند، وفي الأندلس نبغ عبدالرحمن الداخل؛ الذي أسس الدولة الأموية في الأندلس.
ولسنا نبالغ إذا قلنا: إن كثيرًا من مظاهر التقدم والتطور العلمي الذي يعيشه العالم في العصر الحديث في شتى المجالات؛ قائم على أكتاف الشباب الذين أسهموا بجهود متميزة في خدمة الإنسانية.
أما عن الفرص المتاحة للشباب؛ فهي واعدة بحكم الثورة الرقمية التكنولوجية الهائلة التي يعد حظ الشباب فيها أوفر من غيرهم؛ بحكم التطوير المتسارع للبرامج التعليمية؛ وقدرة الشباب الواسعة على امتلاك ناصية التواصل الاجتماعي والرقمي؛ وطموحاتهم الواسعة في هذا المجال.
وقد تنبهت معظم الدول لأهمية تمكين الشباب، فتبوأ العديد منهم مناصب قيادة رفيعة حتى بلغ بعضهم أعلى المناصب القيادية في العديد من الدول.
وأما التحديات أيضا؛ فعديدة وبخاصة في عالمنا العربي والإسلامي، منها:
١- بقايا الممانعة الراديكالية لدى بعض القيادات في التمكين الحقيقي للشباب؛ بداعي نقص الخبرة الكافية لديهم.
٢- العجلة الشديدة لدى بعض الشباب بمحاولة القفز فوق الزمن الطبيعي للنضج القيادي والدخول في صراع مبكر يصل احيانا إلى محاولة إقصاء الخبرات أو التهوين من دورها، متناسين أنهم يوما ما سيكونون هم أهل الخبرة.
٣- ضعف البناء الذاتي لدى بعض الشباب واعتماده على الحماس المطلق دون التأهل الكافي والخبرة اللازمة احيانا، ظانين أن الحماس الزائد وحده دون خبرات كافية يمكن أن يكفل لهم النجاح المنشود.
٤- سرعة تسرب اليأس أو الإحباط إلى نفوس بعضهم لعدم إدراكه الكافي لطبيعة الحياة بصفة عامة؛ وعدم خبرته بها وتوطين نفسه على تقلباته، وغلبة الجانب العلمي أو التقني على الثقافة الاجتماعية والحياتية والعامة وعدم الإدراك الكافي للتحديات المعاصرة- سياسية واقتصادية وثقافية- ومدى انعكاس وتأثيرات كل ذلك على مجريات العمل العام والخاص على حد سواء؛ في عصر العولمة والاقتصاد العابر للحدود. والتحديات المتجاوزة أماكن حدوثها.
تكامل لا صراع
أكد د. مختار جمعة: أننا في حاجة ملحة إلى طاقات الشباب وحماسهم وإلى خبرة وحكمة ذوي الخبرة من الشيوخ وغيرهم على حد سواء، وأن العلاقة بين الأجيال المتعاقبة يجب أن تكون علاقة تكامل لا علاقة صراع ولا إقصاء، فالوطن لكل أبنائه وهو بهم جميعا ولا يمكن أن ينهض أو يتقدم ببعضهم دون بعض أو بإقصاء بعضهم بعضا.
وقد علمنا نبينا الكريم كيف نعطي كل ذي حق حقه، حيث جعل من معيار الكفاءة والكفاية وتوظيفهما في مكانهما ومحلهما المناسب؛ المعيار الأول والأهم. كما أؤكد أن على كل شاب أن يحدد أهدافه وطموحاته بدقة وأن يأخذ بأسباب الجد والاجتهاد نحوها، و(قل لي من قدوتك ومثلك الأعلى وغايتك في الحياة؛ أقل لك من أنت).










