” محاضرة أكاديمية تجمع بين التأصيل القرآني والنبوي والواقع المعاصر ” •
- الإعجاز العلمي والبلاغي في قوله تعالى : ” ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد . إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ” سورة ق : ١٧ ، ١٨ •
مقدمة :
الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا
، وجعل الإنسان مسئولا عن أقواله وأفعاله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي. قال : ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخرة فليقل خيرا أو ليصمت ” •رواه البخاري ومسلم •
- إن من أعظم الآيات التي تربي الضمير الإنساني ، وتغرس الرقابة الذاتية في النفس ، قوله تعالى : ” ما يلفظ من قول
إلا لديه رقيب عتيد ” سورة ق : فهي آية تجعل الإنسان يستشعر أن كل كلمة محسوبة ، وكل حرف مكتوب ، وأن اللسان قد يكون سبب النجاة أو الهلاك •
أولا : المعنى التفسيري للآية :
يخبر الله تعالى أن مع الإنسان ملكين كريمين ؛ أحدهما عن اليمين يكتب الحسنات ، والآخر عن الشمال يكتب السيئات ،
وأنهما يلازمان الإنسان ويرصدان أقواله وأعماله • وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالمتلقين الملكان الكاتبان لأعمال العباد •
- كما أن قوله تعالى : ” ما يلفظ من قول ” يفيد العموم والشمول ؛ أي ما يخرج من فم الإنسان من كلمة إلا وهي تحت
المراقبة والتسجيل الإلهي بواسطة الملائكة الكرام •
ثانيا : الإعجاز العلمي والتربوي :
لقد أثبت علم النفس الحديث أن الكلمة ليست مجرد صوت عابر بل تؤثر في السلوك والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية •
فالكلمة الطيبة ترفع المعنويات وتنشر الأمل ، بينما الكلمة السلبية قد تهدم أسرة أو مجتمعا أو مشروعا نافعا •
والقرآن الكريم سبق إلى تقرير هذه الحقيقة حين جعل الكلمة
مسؤولية يحاسب عليها الإنسان فقال تعالى : ” ما يلفظ من
قول إلا لديه رقيب عتيد “
فالرقابة هنا ليست على الأعمال والأفعال فقط بل على الكلمات أيضا • “
- ثانيا : الإعجاز البلاغي في الآية :
١ – دقة التعبير في كلمة ” يلفظ “
اختار القرآن كلمة ” يلفظ ” ولم يقل ” يتكلم ” ؛ لأن اللفظ
هو إخراج الكلام من الفم بعد أن كان مستورا في النفس
فكأن الآية تصور الكلمة لحظة خروجها ليبدأ تسجيلها فورا •
٢- أسلوب النفي والاستثناء : ” ما يلفظ من قول إلا “
من أقوى أساليب الحصر في العربية ، أي لا توجد كلمة واحدة
تخرج من الإنسان إلا وهي محفوظة ومكتوبة •
٣ – ما دلالة ” رقيب عتيد ” ؟
- رقيب : دائم المراقبة • عتيد : حاضر جاهز لا يغيب ولا يغفل • فاجتمع في الوصف كمال المراقبة وكمال الاستعداد
٤ – الإفراد في قوله ” قعيد ” :
قال تعالى : ” عن اليمن وعن الشمال قعيد ” ولم يقل. سبحانه” قعيدان ” للدلالة على أن عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، وهو من أبلغ أساليب الإيجاز في القرآن •
رابعا : ما أهمية الكلمة في القرآن الكريم والسنة النبوية ؟
قال تعالى : ” وقولوا للناس حسنا ” سورة البقرة ٨٣
قال تعالى : ” ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ” سورة إبراهيم : ٢٤
وقال تعالى : ” إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه “
سورة فاطر : من الآية ١٠ .
- وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” وهل يكب. الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم ؟! رواه الترمذي .
- وقال صلى الله. عليه وسلم : ” إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات ، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا يهوي بها في جهنم ” رواه مسلم .
خامسا : العبرة من تداول الكلام عن الأشخاص والمشروعات العلاجية •
- من الدروس العظيمة المستفادة من هذه الآية أن النقد أو
التأييد يجب أن يكون قائما على العلم والعدل والإنصاف • - أما الحديث عن الأشخاص أو البرامج العلاجية أو الفكرية دون بينة أو دليل فقد يدخل في دائرة الظن أو التجريح أو التشهير.
- ومن الملاحظ اجتماعيا أن الهجوم الإعلامي أحيانا يؤدي
إلى نتيجة عكسية ؛ إذ يدفع الناس إلى البحث بأنفسهم عن الفكرة أو الشخص محل الجدل ، فيزداد انتشارها بصورة كبيرة جدا ويزداد حبهم وتمسكهم بهذا الشخص . وبالنسبة للدكتور ضياء العوضي أو برنامج ” الطيبات ” فلا يصح الجزم بفشله ومهاجمته إلا بناء على دراسات علمية محكمة ومنشورة في مجلات علمية
معتبرة ، لأن الأمانة العلمية تقتضي التثبت من الأدلة قبل إطلاق الأحكام ، لا بالتشهير أو التحقير ، كما أن من الوفاء والزمالة وحسن الخلق أن يذكر الإنسان بما له وما عليه ، وأن يحفظ له سابق فضله واجتهاده ، خاصة إذا كان زميلا في المهنة أو شريكا في ميدان العلم والدعوة •
هي كلمة حق في هذا العالم الكبير . ” فالساكت عن الحق شيطان أخرس ، ولم أسمع عنه أو أعرفه إلا بعد وفاته . رحمه الله تعالى . - إننا جميعا بحاجة إلى استحضار مراقبة الله تعالى في أقوالنا وأحكامنا فالإنصاف خلق العلماء •
- وهنا تتجلى عظمة الآية ؛ فكل كلمة يقولها إعلامي أو كاتب
أو داعية أو طبيب أو أستاذ جامعة هي أمانة ومسئولية ، وسيسأل عنها أمام الله تعالى .
ما الدروس والعظات ؟
١- استشعار وجود الملائكة الكاتبين يربي الضمير الحي •
٢- مراقبة اللسان من أعظم أبواب النجاة .
٣- الكلمة المكتوبة والمنطوقة مسئولية شرعية وأخلاقية .
٤ – العدل يقتضي التثبت قبل مدح الناس أو ذمهم •
٥ – الإعلام الصادق يبني المجتمعات ، والإعلام غير المنضبط يهدم الثقة .
خاتمة بلاغية :
- إن الكلمة سهم إذا خرج من القوس لا يعود ، وهي أمانة
ستشهد لصاحبها أو عليه • فطوبى لمن جعل لسانه منارة للحق
وجسرا للمحبة ، وداعية إلى الخير •
ولنتذكر دائما قول الله تعالى : ” وقل لعبادي يقولوا التي هي
أحسن ” سورة
- فما أحوج العالم اليوم إلى كلمة صادقة ، رحيمة ، عادلة ؛ تبني ولا تهدم ، وتصلح ولا تفسد وتجمع ولا تفرق •
- الكلمة الطيبة باقية ، أما الكلمة الجارحة فربما مات قائلها
وبقي أثرها يؤلمه بين يدي الله رب العالمين . • إن الإنسان قد ينسى ما قال ، وقد ينسى الناس ما سمعوا
ولكن صحائف السماء لا تنسى ، والملائكة لا تغفل ، والحق سبحانه لا يضل ولا ينسى . فطوبى لمن جعل لسانه رطبا بالحق والخير ، وجعل كلماته جسورا للمحبة والإصلاح ، لا معاول للهدم والخصومة •
” ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد “
فالكلمة تخرج من الفم لحظة ، لكنها قد تبقى في صحيفة
الأعمال إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين .
” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
د • شمس راغب عثمان •










