في “عطر الآلام”، الجزء العاشر من رواية “ظل امرأة في باريس”، تأخذنا الكاتبة هدى حجاجي أحمد إلى منطقة رمادية، تلك التي نقف فيها حين لا نعود قادرين على النسيان، ولا نملك القدرة على البدء من جديد.
يخيل إليّ وأنا أقرأ هذه الصفحات، أن البطلة ليست مجرد شخصية ورقية، بل هي انعكاس لكل واحد منا حين يقرر، في لحظة يأس أو ربما شجاعة، أن يخلع رداء العقلانية الذي يرتديه ليواجه عري مشاعره. بدأت القصة بـ “إغلاق عقل الكتب”، وهي صورة بليغة وموجعة؛ فكم من مرة حاولنا أن نطفئ وعينا، أن نكتم صوت المنطق في رؤوسنا، فقط لنهرب من حقيقة أننا لم نعد نملك زمام قلوبنا؟
العنوان وحده، “عطر الآلام”، يشي بالكثير. كيف يستقيم أن يكون للألم رائحة؟ نحن عادة ما نهرب من الوجع، نحاول غسله بالوقت أو الانشغال، لكن الكاتبة هنا تقلب الطاولة؛ تجعل من الفقد عطراً، شيئاً نضعه على أعناقنا ونمضي في زحام الحياة. أليس هذا ما يحدث لنا فعلاً؟ نعتاد الغائبين حتى يصير غيابهم جزءاً من طقوسنا اليومية، كأن نمرّ بمكان نذكره فيه، أو نشم رائحة مطر تذكرنا بضحكته.
أكثر ما توقفت عنده هو ذاك المشهد في المكتبة. لست أدري لماذا، لكنني شعرت ببرودة الهواء حين قرأت جملة: «بعض اللقاءات لا تحدث كي تستمر، بل كي تغيرنا إلى الأبد». أليس هذا هو جوهر مأساتنا؟ أننا نلتقي بأشخاص يعيدون ترتيب دواخلنا، ثم يرحلون، تاركين إيانا بـ “شخصية جديدة” لا تشبهنا القديمة، لكنها أيضاً لا تجد راحتها في هذا العالم الموحش.
باريس في هذا النص ليست مدينة للنزهة، بل هي شريك صامت. شوارعها، السين، الغيوم الرمادية، كلها تبدو وكأنها مرآة لحالة بطلة تعيش حالة من التصالح الغريب مع حزنها. لم تعد تحاول مقاومة الحنين، بل بدأت تعامله كضيف ثقيل، نعم، لكنه مؤنس.
هذا النص ليس تقريراً عاطفياً عن الحب، بل هو تأمل في “بقاء” الأشياء التي رحلت مادياً. ربما هذا هو الدرس الأقسى والأجمل في آنٍ معاً: أننا حين نحب، لا نحب الآخر فقط، بل نحب جزءاً من ذواتنا أيقظه ذلك الآخر.
هل تساءلت يوماً، لماذا نبحث عن أشباح من نحب في أرصفة المدن البعيدة؟ ربما لأننا في أعماقنا نعرف أن بعض الغائبين، رغم رحيلهم، يسكنون فينا بمسافة أقرب من أولئك الذين يجلسون أمامنا الآن.
لقد نجحت الكاتبة في تحويل “الغياب” إلى حضور ملموس، بل وموسيقي. الكتابة هنا ليست مجرد رصف للكلمات، بل هي محاولة لالتقاط أنفاس الروح حين تضيق بها الدنيا. ربما يرى البعض في هذا الأسلوب رومانسية مفرطة، لكنني أراه شجاعةً في الاعتراف بأننا، مهما بلغنا من الحكمة، نظل كائنات هشة أمام سطوة العاطفة.
بعد انتهائي من هذا النص، لا أملك إلا أن أتساءل: هل نحن من يختار ذكرياته، أم أن الذكريات هي التي تختارنا لنسكنها؟ ربما هي دعوة لنا جميعاً لنكف عن الهروب من عطر آلامنا، ونبدأ في تقبله كجزء لا يتجزأ من هويتنا الإنسانية.
العراق










