تجاوزت تداعيات الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز حدود حركة الشحن البحري لتلقي بظلالها الثقيلة على قطاع الزراعة والأمن الغذائي، وباتت المحاصيل الصيفية تتحمل العبء الأكبر حاليا. ورغم أن تقرير حديث لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) قد حذر من تبعات اعتماد مصر الكثيف على استيراد القمح، إلا أن المؤشرات وآراء الخبراء الذين تحدثت إليهم نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية تؤكد أن المحصول الاستراتيجي كان في مأمن إلى حد كبير من التداعيات السلبية لأزمة مضيق هرمز. والآن، بعد مرور أربعة أشهر على بدء الأزمة، يحذر المحللون من أن التهديد الحقيقي للأمن الغذائي المصري لا يتمثل في توافر إمدادات القمح، بل في أزمة عالمية في الطاقة وقفزة قياسية في تكاليف مدخلات الإنتاج.
عامل التوقيت يحمي القمح من تبعات الحرب
استفاد محصول القمح هذا الموسم من عامل التوقيت. فهو يُزرع في مصر خلال شهر نوفمبر، وتأتي فترة التسميد النيتروجيني الحاسمة — وهي مرحلة الاستطالة التي يتحدد فيها عدد الحبوب في السنبلة — بين شهري يناير وأوائل فبراير، حسبما قالت شذى عمر، خبيرة الاقتصاد الزراعي المستقلة والمسؤولة السابقة بوزارة الزراعة الأمريكية، في تصريحات لإنتربرايز. وأغلقت هذه الفترة قبل اندلاع الحرب؛ إذ جرى تسميد المحصول الشتوي عندما كان سعر شيكارة اليوريا زنة 50 كيلوجراما يبلغ نحو 270 جنيها، وذلك قبل أن تدفع الحرب الأسعار لتتجاوز 1500 جنيه، وفق ما ذكره هشام سليمان، رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لشركة ميديترانيان ستار للتجارة لإنتربرايز — ما يعني أن محصول هذا الموسم كان في مأمن بفضل التوقيت وحده.
موسم قوي:
تشير التقديرات الحكومية إلى أن إنتاج القمح المحلي سيتجاوز 10 ملايين طن هذا الموسم، بزيادة تفوق 6% مقارنة بالعام الماضي، وفقا لما ذكره جو جلوبر، الباحث الأول في المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية (إيفبري) وكبير الاقتصاديين السابق بوزارة الزراعة الأمريكية.
ومع ذلك، لم يقلل هذا من الاعتماد على الواردات؛ إذ اشترت الحكومة نحو 5 ملايين طن من القمح المحلي، وهو ما يمثل تقريبا نصف الكمية المطلوبة لبرنامج الخبز المدعم والبالغة 9.7 إلى 10 ملايين طن، لتبقى الدولة بحاجة إلى استيراد الكمية المتبقية. ويتوقع سليمان أن تتجاوز إجمالي واردات القمح في عام 2026، بما في ذلك مشتريات القطاع الخاص، 13 مليون طن، مع تسليم 7.5 مليون طن بحلول منتصف يونيو، اشترت الحكومة ما يقرب من نصفها. ويتوقع تراجع أسعار الاستيراد من 257 دولارا للطن إلى نحو 245-250 دولارا مع تخلص مصدري البحر الأسود من تراكمات الحبوب التي كانت موجهة في الأصل إلى إيران.
مستويات مرتفعة لفترة أطول
لا يشهد القمح في حد ذاته ارتفاعا في الأسعار، بل تكمن التكلفة المتزايدة للأسمدة والوقود والشحن المرتبطة بإنتاجه ونقله، وينقسم الخبراء حول ما إذا كانت هذه التكاليف ستتراجع مجددا. إذ يرى جلوبر أن “أسعار اليوريا تراجعت حاليا إلى مستويات قريبة مما كانت عليه قبل الحرب”. في المقابل، يختلف كل من عمر وسليمان بشأن المسار طويل الأجل للأسعار. وتتوقع عمر أن “يستقر الحد الأدنى الهيكلي لأسعار اليوريا على الأرجح عند مستويات أعلى بنسبة 20-25% من المتوسط المسجل في عام 2025، في غياب وقف شامل لإطلاق النار في المنطقة واستعادة تدفقات التجارة بالكامل عبر مضيق هرمز”، مشيرة إلى أن البنك الدولي أكد ارتفاع أسعار اليوريا بنسبة 46% تقريبا على أساس شهري بين فبراير ومارس 2026 — متجاوزة توقعات الفاو البالغة 15-20% — وموضحة أن الأسواق التي تشهد هذا الارتفاع لا تعود بسهولة إلى وضعها الطبيعي بمجرد انفراج أزمة اللوجستيات جزئيا. ويتفق سليمان مع هذا الرأي، متوقعا أن تستقر أسعار اليوريا العالمية بالقرب من 550 دولارا للطن بدلا من التراجع بالكامل إلى النطاق الذي سبق الأزمة والبالغ 420-450 دولارا للطن.
الارتباط بالطاقة يعكس خللا هيكليا. فقد أدى الحصار إلى خروج نحو 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية من السوق، وتفاقم الأمر مع إعلان قطر حالة القوة القاهرة، فضلا عن أن ارتفاع أسعار الطاقة يضاعف التكاليف عبر سلسلة القيمة الزراعية بأكملها، بحسب جلوبر. وإذا استمرت أزمة هرمز في رفع تكاليف الوقود واللوجستيات، فستتحمل مصر فاتورة استيراد أعلى لتغطية العجز الهيكلي لديها، مما يجعل ديناميكيات السوق العالمية تهديدا أكبر من توجهات المزارعين المحليين.
المحاصيل الصيفية تدفع الثمن
يرى سليمان أن الضرر الأوضح والآني يتركز في العروة الصيفية الحالية وليس في محصول القمح الشتوي؛ فالقمح محمي بنظام التوريد الحكومي، لكن المحاصيل الأخرى مثل الخيار والفراولة والبرتقال تُسعر وفق آليات السوق المفتوحة وتحتاج إلى نفس الأسمدة بالأسعار الحرة، مما يخلق فجوة في الدعم. ويتوقع سليمان أن تبدو الأسعار التي يرى المستهلكون أنها مرتفعة بالفعل أقرب إلى حد أدنى جديد للأسعار، وليس ذروة مؤقتة. ودفع هذا المزارعين بالفعل إلى التحول نحو زراعة محاصيل صيفية تحتاج إلى كميات أقل من النيتروجين الصناعي، مثل الذرة الخضراء المستخدمة كأعلاف للماشية، سعيا لتفادي الارتفاع الحاد في تكاليف المدخلات.
وتحركت الحكومة أيضا على صعيد تنظيم الأسعار وآليات التوزيع للمحاصيل الصيفية منذ بدء الأزمة. إذ ضخت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي 8.2 مليونشكارةسمادمدعوم في مختلف المحافظات بقيمة إجمالية بلغت 2.37 مليار جنيه، بسعر 290 جنيها لشكارة اليوريا والكبريتات زنة 50 كيلوجراما (و285 جنيها لشكارة النترات) — وهي أسعار جرى رفعها في مارس الماضي لاستيعاب الزيادة المشهودة في تكاليف الشحن والوقود والتخزين. وبالتزامن مع ذلك، يجري وزير التموين شريف فاروق مفاوضات لإبرام عقود طويلة الأجل لشراء القمح الروسي بهدف تكوين احتياطي استراتيجي.
يوجد تحول آخر أبطأ في طبيعة المحاصيل عالميا يلقي بظلاله على فاتورة الاستيراد. إذ يشير جلوبر إلى أن المزارعين في نصف الكرة الشمالي بدأوا في التحول لحماية هوامش أرباحهم؛ إذ أظهرت نوايا الزراعة في الولايات المتحدة خلال شهر مارس تراجعا بنسبة 3% في مساحات الذرة وزيادة بنسبة 4% في مساحات فول الصويا، وهو محصول أقل كثافة في استخدام الأسمدة. وإذا قامت مناطق زراعة القمح في الخارج بتحويل مساحاتها نحو محاصيل أخرى، فإن الإمدادات العالمية ستشهد نقصا وسترتفع الأسعار التي تدفعها مصر كمشتري. كما تطرح عمر الرؤية ذاتها على الصعيد المحلي قائلة: “من المرجح أن يظهر خطر التحول نحو محاصيل بديلة في شكل تحويل المساحات المزروعة بالقمح إلى الفول البلدي أو البرسيم — وكلاهما من البقوليات المثبتة للنيتروجين التي تتناسب مع العروة الشتوية وتحتاج إلى كميات أقل بكثير من النيتروجين الصناعي”، غير أنها تتوقع أن يظهر هذا التأثير خلال قرار الزراعة المقبل في أكتوبر ونوفمبر، وليس في الموسم الحالي.
وجه آخر لقصة التكاليف هذه:
مصر تعد أيضا مصدرا رئيسيا للأسمدة، وتؤثر جاذبية التصدير على الكميات المتبقية محليا لتلبية احتياجات المزارعين. وتحتل مصر المرتبة السابعة عالميا في إنتاج اليوريا، بإنتاج سنوي يبلغ نحو 12 مليون طن، يُخصص نحو 40-50% منه للتصدير بعائدات تقارب 2.8 مليار دولار. ومع تضرر المنتجين الخليجيين من الحصار، كان المصدرون المصريون الذين يتجاوزون مضيق هرمز بفضل موانئ البلاد الواقعة على البحرين المتوسط والأحمر، في وضع جيد للاستحواذ على حصص سوقية في أوروبا وأفريقيا. وتشير عمر إلى أن أي تعطل في الإنتاج المصري من شأنه أن يسحب نحو 500 ألف طن شهريا من الكميات المتاحة للتصدير، مما يبرز الدور المحوري الذي أصبحت مصر تلعبه في إمدادات النيتروجين العالمية.
تدخل حكومي:
قاومت الشركات التي واجهت قفزة بأربعة أضعاف في تكاليف الغاز، توريد إنتاجها للسوق المحلية بالأسعار المحددة مسبقا، وتمكنت من الحصول على حصة تصديرية أكبر، مما أدى إلى تعديل نسبة التوزيع لتصبح 65% للتصدير مقابل 35% للسوق المحلية، بحسب سليمان. وردت الحكومة بعد أسابيع بفرض رسم صادر قدره 90 دولارا للطن على الأسمدة النيتروجينية لمدة ثلاثة أشهر اعتبارا من أوائل مايو، قبل أن تتخلى عن الرسم الثابت لصالح رسم مرن بنسبة 10%. ويتوقع جلوبر أن تتلاشى هذه الميزة التصديرية مع عودة المنتجين الخليجيين إلى السوق بعد إعادة فتح المضيق، لتتراجع حصة مصر إلى مستويات ما قبل الحرب.
رقمنة المنظومة وإعادة هيكلة الدعم
تمثل جاذبية التصدير الدافع وراء جهود الدولة لتنظيم التوزيع؛ إذ لم يعد يُعتد بالسجلات الورقية، وبات لزاما على المزارعين استخدام “كارت الفلاح الذكي” في أي من ماكينات نقاط البيع البالغ عددها 5500 ماكينة في 27 محافظة. غير أن الحصة المقررة لا تتناسب مع احتياجات المحصول، كما يرى سليمان، إذ يحصل المزارع على ثلاث شكائر مدعمة فقط للفدان، في حين يحتاج المحصول إلى سبع أو ثماني شكائر.
إعادة هيكلة منظومة الدعم:
في وقت سابق من هذا الشهر، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مؤتمر صحفي بمحافظة البحيرةإن دعم الخبز يكلف الدولة 140 مليار جنيه سنويا، يذهب نحو 35 مليار جنيه منها، أي ما يعادل 25%، إلى أسر غنية لا تستحق الدعم، مما دفع الحكومة إلى التخطيط للتخلص التدريجي من الدعم العيني للخبز والتحول نحو نظام الدعم النقدي. وستظل أسعار الخبز عبر المنافذ الحكومية ثابتة، لكن الأسر المستحقة ستتلقى تحويلات نقدية في محافظ إلكترونية أو بطاقات الدعم، بحسب ما ذكره وزير التموين شريف فاروق في تصريحات لشبكة سي إن إن. وستحدد هذه المبالغ بناء على معدلات التضخم وتكلفة سلة الغذاء الأساسية.










