نجح المخرج المصمم وليد عوني ، من خلال فرقة الرقص المسرحي الحديث ، في تقديم أمسية استثنائية على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية ، حيث التقت أسطورة الشرق ” شهرزاد ” بثورة الغرب الإيقاعية ” بوليرو ” . العرض لم يكن مجرد ترجمة حركية للموسيقى الكلاسيكية (لـ ريمسكي كورساكوف وموريس رافيل) ، بل كان إعادة صياغة فلسفية وبصرية تبحث في ثنائيات الموت والحياة ، الأسر والحرية والسطوة والمقاومة .
في الجزء الأول من الأمسية ، لم يقدم وليد عوني ” شهرزاد ” بوصفها حكاية تقليدية تستجدي البقاء ، بل قدمها كرمز للمقاومة الفكرية والجمالية في مواجهة عبثية الموت والشهوة التي يمثلها “شهريار ” .
تميزت “شهرزاد” باقتصاد بصري ذكي يبتعد عن “الكليشيهات” الشرقية الاستشراقية (كالقصور المزخرفة والملابس الفضفاضة اللامعة) . بدلاً من ذلك ، اعتمد عوني على الإضاءة الدرامية التي قسمت المسرح إلى مساحات من الظلال والنور ، تعكس الصراع الداخلي لشهريار بين الرغبة في الانتقام والانبهار بالفن .
تحول الراقصون والراقصات إلى ما يشبه “الكتل البشرية” أو الأمواج التي تحاكي رحلة السندباد (الموجودة في موسيقى كورساكوف) ، مما أضفى عمقاً ملحمياً على حركة الجسد .
تميز أداء بطلة العرض (شهرزاد) بالمرونة والقدرة على الانتقال بين الخضوع الظاهري والسيطرة الروحية ، حيث تحولت حركة
جسدها إلى سلاح يمتص غضب “شهريار” المتشنج والحاد في حركاته .
أما في النصف الثاني ، فقد واجهنا قراءة مغايرة تماماً لتحفة موريس رافيل “بوليرو” . هذا العمل القائم تاريخياً على تكرار لحني يتصاعد تدريجياً حتى ينفجر ، تحول عند وليد عوني إلى طقس تطهيري وجنائزي مذهل
بدأ العرض بحركات بالغة البطء والتحجيم ، ومع كل نبرة إيقاعية جديدة تدخل في الموسيقى ، كانت رقعة الحركة تتسع على المسرح .
نجح راقصو فرقة الرقص المسرحي الحديث في إظهار لياقة تعبيرية عالية ، فالجسد هنا لم يكن يبحث عن “الجمال التزييني” ، بل عن “الطاقة البدائية”. تحول المسرح إلى ساحة من الهوس والرغبة الجماعية للحرية .
استخدم عوني تكويناً سينوغرافياً مبهرا يركز على نقطة ثقل وسط المسرح ، مما جعل الحركة تبدو كإعصار يبتلع الراقصين واحداً تلو الآخر حتى الذروة الانفجارية الختامية .
لا يمكن قراءة هذا العرض دون العودة إلى المرجعية التشكيلية لوليد عوني كمتأثر بمدرسة (موريس بيجار) . عوني لا يصمم رقصات بالمعنى الصرف ، بل يرسم بالجسد في الفراغ .
نقاط القوة فى الأمسية هو الهارموني بين العملين ، رغم اختلاف الطابع الموسيقي بين كورساكوف ورافيل ، إلا أن عوني ربط بينهما بخيط خفي هو “سطوة الإيقاع على المصير الإنساني” .
الملابس جاءت محايدة هندسية في بعض الأحيان ، ومتحررة في أحيان أخرى ، لتخدم الفكرة الديناميكية للحركة وليس لإبهار العين المجردة .
في بعض فواصل “شهرزاد” ، كاد التكرار الحركي لبعض الراقصين في الخلفية أن يصيب المشهد بالرتابة ، لولا التدخل الذكي للإضاءة التي كانت تنقذ المشهد بإعادة توجيه عين المشاهد .
في “بوليرو” ، كانت الذروة عنيفة جداً ومتوقعة ، وكان من الممكن اللعب على مفارقات بصرية تصدم التوقيع الموسيقي الكلاسيكي لرافيل بدلاً من مجاراته الصارمة في الصعود الإيقاعي .
أثبتت فرقة الرقص المسرحي الحديث تحت قيادة وليد عوني على خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية ، أن الجسد العربي قادر على استيعاب وتفكيك الروائع العالمية وإعادة إنتاجها بروح معاصرة . عرض “شهرزاد وبوليرو” هو دعوة للتأمل في صراع الإنسان مع قيوده ، ووثيقة فنية تؤكد أن الرقص المسرحي الحديث ليس مجرد ترفيه ، بل هو فكر يُكتب بالحركة ، ونقد يُصاغ بالضوء والجسد لا يمكن قراءة التميز الحركي في هذه الأمسية بمعزل عن الدور المحوري واللمسات الفنية للفنانة كريمة بدير. لقد تجلى جهدها الواضح في خلفية المشهد من خلال تدريب الراقصين والإشراف على أدائهم ، حيث لم تكتفِ بتلقين الخطوات ، بل ركزت على ضخ عنصر التعبير والأحساس الداخلي في كل حركة صغرت أم كبرت .
بفضل رؤية كريمة بدير التدريبية ، تحول الجسد على المسرح من أداة ميكانيكية تؤدي تقنيات راقصة ، إلى كائن حيّ ينبض بالمشاعر ، ويسكنه وعي حاد بالدراما الكامنة وراء كل إيماءة ، مما منح فرقة الرقص المسرحي الحديث هويتها التعبيرية الخاصة والعميقة في هذا العرض .
هذا الشحن الشعوري ظهر جلياً في الأداء التراكمي لعرض “بوليرو” ، حيث بدأ الراقصون بحركات بالغة البطء والتحجيم ، ومع كل نبرة إيقاعية جديدة ، كانت طاقة الأجساد تتسع وتتوهج بحثاً عن “الطاقة البدائية” والشهوة الجماعية للانعتاق والحرية .
رغم العظمة البصرية التي صاغها عوني كرسام يخط بالجسد في الفراغ ، إلا أن العرض كان يحتمل الانتقال إلى مستويات أعلى من الكمال ،
لو أن الراقصين والراقصات حافظوا على “وحدة الأداء الواحد” والتزامن الصارم خلال تقديمهم للرقصات الجماعية ، لارتفع العرض بمستواه الإبداعي والتعبيري إلى آفاق أكثر إبهاراً وانضباطاً ، إذ كان غياب هذا التناغم التام يكسر أحياناً تدفق الكتل البشرية على المسرح ويقلل من تأثير الجهد المبذول في التدريب الفردي .
أثبتت فرقة الرقص المسرحي الحديث ، برؤية وليد عوني وتدريب ولمسات كريمة بدير ، أن الجسد قادر على تفكيك الروائع العالمية وإعادة إنتاجها بروح معاصرة . “شهرزاد وبوليرو” ليس مجرد عرض عابر ، بل هو وثيقة فنية تؤكد أن الرقص المسرحي الحديث فكر يُكتب بالحركة ، ونقد يُصاغ بالسينوغرافيا ، والإحساس ، والضوء .











