هناك لحظات فى حياة الإنسان تبدو عادية عند وقوعها , لكنها تتحول مع مرور الزمن الى محطات فارقة تغير مسار العمر كله , من بين تلك اللحظات ماحدث لى قبل خروجى على المعاش بأسبوع واحد فقط حين دخل الى مكتبى بالبنك حيث كنت مديرا لبنك ناصرالاجتماعى فرع بشبي بالمحلة الكبرى الاستاذ محمد فوده مدير عام سابق بمحكمة شرق طنطا الابتدائية لصرف معاشه , لم يدر بخلد احدنا أن هذا اللقاء سيكون بداية رحلة امتدت سنوات طويلة فى خدمة الفقراء والمحتاجين . وخلال حديثنا تطرقنا الى بيت مال المسلمين فى القرية الذى كان نشاطه متوققا منذ قترة طويلة وتحدثنا عن ضرورة اعادة تفعيله ليؤدى رسالته النبيلة فى مساعدة المحتاجين ونشر قيم التكافل بين ابناء القرية
اقترحت أن نجمع مجموعة متجانسة من اصحاب القلوب المخلصة للعمل فى هذا المجال فرحب بالفكرة .ثم ذهب لأداء صلاة الظهر فى مسجد النور المجاور للبنك ثم عاد ليقول لى لدى شرط واحد أن تكون انت رئيس بيت المال وافقت ولم أكن أعلم أن هذا القرار سيمنح حياتى بعد المعاش معنى جديدا ورسالة اسمى من أى منصب أو وظيفة .
وبعد أستكمال الموافقات الآمنية واعتماد التشكيل الجديد من بنك ناصر الاجتماعى وضعنا خطة عمل واضحة وكان فضل الله عظيما أن ألتف حولنا مجموعة من الرجال والشباب الذين أمنوا برسالة العمل الخيرى فعملنا جميعا بروح الفريق الواحد دون تفرقة أو مصالح شخصية واضعين نصب أعيننا هدفا واحدا هو خدمة المحتاحين .وادخال السرور الى قلوبهم
ومع مرور السنوات بدأت ثمار الجهد تظهر على أرض الواقع فقد تم اصدار “فيزا بيت المال المسلمين” لتقديم اعانات شهرية ودورية للإرامل والمطلقات والايتام واصحاب الامراض المزمنة بما يحفظ كرامتهم ويوفر لهم حدا أدنى من الامان المعيشى كما تكفلنا بشراء العلاج لغير القادرين والمساهمة فى تكاليف العمليات الجراحية لأصحاب الدخل المحدود وتجهيز الفتيات اليتيمات وغير القادرات للزواج .
و شهدت المسيرة تبرعات كريمة كان لها أثر بالغ فى توسع نطاق العمل الخيرى
فقد تبرعت الحاجة نوال مكاوى بنحو ستة عشر قيراطا تقريبا لإقامة مشروع خيرى يعود ريعه على الفقراء كما تبرعت بشقة مساحتها 120 مترا لتكون مقرا للاعمال الخيرية .
وتولى رجل الاعمال المهندس رضا حامد مصطفى الانفاق على العديد من الاعمال الخيرية التابعة لبيت مال المسلمين ومنها سنتر الايمان التعليمى المجانى ومكتب تحفيظ القرأن الملحق بمقر بيت مال المسلمين على روح زوجته الراحلة الاستاذه ايمان احمد موسى , ايمانا منه بأن بناء الانسان لا يقل أهمية عن اطعامه أو علاجه وتبرع ايضا الاستاذ سليمان ابوالغيط ساطور -مؤسس مدرسة المروة الخاصة ببشبيش بمنزل كبير مكون من طابقين على مساحة قدرها 289 متر تقريبا لإقامة عيادات طبية شبه مجانية لتخفيف معاناة المرضى غير القادرين ,ليصبح بيت المال نموذجا متكاملا للعمل الخيرى الذى يجمع بين الدعم المادى والرعاية الصحية والتعليم والتوعية الدينية.
وعلى مدار سبع سنوات كاملة لم يكن النجاح من صنع شخص واحد بل كان ثمرة جهود مجموعة أمنت بأن خدمة الناس من أعظم القربات الى الله ورغم ماتعرضنا له أحيانا من انتقادات او تشكيك فإننا لم ننشغل بالرد على أحد لإن المحتاج الذى وجد من يسانده واليتيم الذى شعر بالامان والارملة التى حفظت كرامتها كان خير رد على كل المشككين .
وبعد سبع سنوات من رئاسة بيت المال رأيت أن من الواجب افساح المجال أمام قيادات جديدة وشباب قادر على مواصلة المسيرة فإخترت التنحى وأنا مطمئن الى أن المؤسسة اصبحت اكثر قوة و قدرة على الاستمرار والعطاء .
لقد تعلمت من هذه التجربة أن التقاعد لا يعنى نهاية العطاء بل قد يكون بداية مرحلة أكثر قيمة وأعمق أثرا فالمناصب تزول والوظائف تنتهى لكن مايبقى حقا هو ما يقدمه الإنسان للناس من خير وما يتركه خلفه من أثر طيب فى حياتهم .
ان السعادة الحقيقية ليست فيما نملك بل فيما نعطى وأجمل سنوات العمر قد تبدأ أحيانا بعد المعاش حين يتحول العمل الى رسالة والعطاء الى اسلوب حياة وخدمة الناس الى طريق يقرب الانسان من ربه ويمنحه مكانة خالده فى قلوب من أحسن اليهم .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية المحلة الكبرى سابقا










