الجزء السابع والثلاثون: الحياة التي لم تحدث
أغلقتُ النافذة بعد أن انطفأ آخر ضوء في الشارع.
كانت باريس تغفو ببطء تحت سماءٍ مثقلة بالغيوم، بينما بقي النوم بعيدًا عن عينيّ كعادته كلما ازدحمت الذاكرة بأشباحها القديمة.
فكرتُ طويلًا في ذلك الحلم.
ذلك الحلم الذي لم يكن حلمًا تمامًا.
كان أقرب إلى رسالةٍ وصلت متأخرة سنواتٍ طويلة.
رأيتُ فيه بيتًا صغيرًا تحيطه أشجار الياسمين، وستائر بيضاء تتحرك بهدوء مع نسيم المساء. لم يكن في المشهد شيء استثنائي، ومع ذلك شعرتُ بسعادةٍ لم أعرفها منذ زمن.
كنتَ هناك.
لا كما عرفتك في الحقيقة، بل كما تمنيتُ دائمًا أن تكون.
بلا رحيل.
بلا مسافات.
بلا تلك الجدران التي بناها الخوف بين قلبين كانا قادرين على النجاة لو امتلكا قليلًا من الشجاعة.
وحين استيقظت، أدركتُ أن أكثر ما يؤلم الإنسان ليس ما خسره فعلًا، بل ما كان يمكنه أن يربحه لو سارت الحياة في اتجاهٍ آخر.
لهذا تبقى بعض الذكريات حيّة رغم أنها لم تحدث.
نحن لا نشتاق إلى الماضي وحده.
نشتاق إلى الاحتمالات التي دفنها الزمن قبل أن تولد.
جلستُ أمام المرآة أتأمل وجهي.
رأيتُ امرأةً لا تشبه تلك الفتاة التي وصلت إلى باريس ذات خريفٍ بعيد وهي تحمل حقيبة صغيرة وقلبًا أكبر من العالم.
مضت سنوات كثيرة منذ ذلك اليوم.
تعلمتُ خلالها أن المدن لا تشفي أحدًا.
وأن السفر لا يمحو الوجع.
وأن الإنسان يحمل نفسه معه أينما ذهب.
حتى إلى آخر الدنيا.
مررتُ أصابعي فوق إطار صورة قديمة كانت تستقر فوق الطاولة.
صورة باهتة نجت من تقلبات العمر كما تنجو بعض الأوراق من الحريق.
ابتسمتُ دون أن أشعر.
ثم سألتُ نفسي للمرة الأولى:
ماذا لو لم يكن الهدف من الرحلة أن أصل؟
ماذا لو كانت الحكمة كلها مختبئة في الطريق؟
ماذا لو لم أخسر كما كنت أظن؟
ماذا لو أن كل الذين غادروا تركوا في داخلي شيئًا كان لا بد أن يبقى؟
خارج النافذة بدأ الفجر يقترب.
وبين العتمة الأولى والضوء الأول شعرتُ بشيء من السكينة.
سكينة صغيرة.
هشة.
لكنها حقيقية.
كأن العمر، بعد كل هذه السنوات، بدأ أخيرًا يتوقف عن مطاردتي.
وكأنني للمرة الأولى لا أنظر إلى ما فقدته…
بل إلى ما بقي.










