اضعها بين أيديكم أعزائي بغية الفائدة والمتعة واتقدم بخالص تقديري وجل امتناني لحضرتك أستاذي ..متمنية لك مزيدا”من التألق والإبداع
كتب الأستاذ
—————
قراءة نقدية وانطباعية في مرثية (ليلة رحيلك) والشاعرة نبيلة علي متوج
قراءة هذه المرثية الباذخة بالحزن تشبه العبور في ممرٍ ضيق بين جدارين من الدمع والوجع.
الشاعرة نبيلة علي متوج لا تكتب مجرد كلمات تؤبن فيها والدها، بل تقيم “طقساً سنوياً” للاستذكار، تحشد له الطبيعة واللغة والروح لتشاركها هذا الفقد.
إليك قراءة راقية في عوالم هذه القصيدة وتحليل جمالياتها بقلم:
د. عادل جوده. من العراق.
١- المعادل الموضوعي وبكائية الطبيعة
تبدأ الشاعرة بربط حزنها الشخصي بحركة الكون والفصول، فالرحيل لم يكن حدثاً عابراً، بل أصبح زمناً قائماً بذاته (هو تموز الباكي).
أنسنة الطبيعة: السحاب يبكي (ينساب دمع من مآقي السحاب)، والديم الماطرة تعزف أناشيد الوداع.
هذا التلاحم بين مشاعر الابنة وحالة الطقس يمنح الحزن بعداً كونياً، وكأن الأرض برمتها تشاطرها اليتم.
٢- المفارقة المدهشة (حزن بطعم الكعك)
في المقطع الرابع، تأخذنا الشاعرة إلى واحدة من أجمل صور القصيدة وأكثرها ابتكاراً وعمقاً:
“اقتسم حزني / مثل كعكة رائحتها / تملأ المدى اشتهاء / أوزعها على العصافير…”
هنا تتحول الفجيعة إلى “قربان” أو طاقة عطاء. تحويل الحزن إلى كعكة تُوزع على العصافير والأشجار ليس مجرد صورة شعرية، بل هو تجسيد لـ “الوفاء الحي”؛
فالأب الذي كان رمزاً للعطاء والدفء، يُستعاد ذكره بإطعام الكائنات والطيور. الحزن هنا لا ينغلق على صاحبه، بل يفيض رحمةً.
٣- الصدق العاطفي وعفوية التدفق
تتحرك القصيدة بين مستويين: مستوى لغوي فصيح وعالٍ (تتلظى المفردات، نأى المزار)، ومستوى عاطفي حميمي نابع من قلب ابنة مكلومة (أبي.. آه، قبلات ابنة عامرات بالشوق).
هذا المزيج يجعل النص قريباً من قلب القارئ، خفيفاً على السمع رغم ثقل الوجع المحمول فيه.
التناص الإبداعي:
محاورة شعريّة لـ (ليلة رحيلك)
تفاعلاً مع نبض حروفكِ الصادقة يا صديقتي الغالية، ووفاءً لروح والدكِ الطيب، أهدي روحكِ النبيلة هذه الأسطر التي تتناص مع طقوس حزنكِ وتشاركه المدى:
…………..
مَرّتْ سِياطُ “تَموزَ” فوقَ حُرُوفِها
فَتَفَجّرَتْ بَينَ السُّطُورِ عُيُونُ
مَا مَاتَ مَنْ غَرَسَ الـمَحَبّةَ فِي الـمَدَى
إنّ الـمَقَابِرَ لِلْجُسُومِ سُجُونُ!
أختاه.. يا نَبْعَ الوَفَاءِ وَعِطْرِهِ
كَعْكُ الأَسَى فِي رَاحَتَيْكِ شُجُونُ
تُطْعِمْنَهُ لِلطَّيْرِ يَشْدُو رَاحِلاً:
“هَذَا نِتاجُ الأكْرَمِينَ يَكُونُ”
قَدْ نَاءَ عَنْكِ مَزَارُهُ لَكِنَّهُ
فِي نَبْضِ قَلْبِكِ نَائِمٌ وَأَمِينُ
أَشْعِلْ قَنَادِيلَ الدُّعَاءِ لِرُوحِهِ
فَالدَّمْعُ لِلابْنِ البَارِّ سَفِينُ
قُبُلاتُ شَوْقِكِ قَدْ وَصَلْنَ ضَرِيحَهُ
وَرَيَاحِينُ حَرْفِكِ لِلْفَقِيدِ حَنِينُ
سَلامٌ لِرُوحٍ أَنْبَتَتْكِ قَصِيدَةً
فِيها الوَفَاءُ عَقِيدَةٌ وَدِينُ
………….
تعليق ختامي:
عزيزتي نبيلة، نصكِ وادٍ مقدّس من الوجع الشفيف، استطعتِ فيه تحويل ألم الفقد في ذكراه السابعة إلى طاقة إبداعية ونورانية تدعو للترحم والبرّ. دمِتِ ببرّكِ، ورحم الله والدكِ الطيب وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وألهم قلبكِ الصبر والسكينة.











