فى الاقتصاد لا مكان للعواطف ولا تنجح الدول بحسن النوايا وإنما بحسن الادارة فالتاريخ الاقتصادى العالمى هو سجل مفتوح للدول التى سقطت ثم نهضت ولأخرى امتلكت كل الامكانات لكنها تعثرت لآنها لم تتعلم من اخطائها أو تجاهلت دروس غيرها ,ليس هناك اقتصاد محصن ضد الأزمات .. فقد مرت دول بحالات من التضخم الجامح وتراجع العملات وارتفاع الديون وانكماش الاستثمارات لكنها لم تستسلم بل اتخذت قرارات مؤلمة فى بدايتها لكنها كانت ضرورية لانقاذ المستقبل .
لقد صنعت فيتنام معجزتها الاقتصادية عندما ادركت ان الثروة الحقيقية لا تأتى من الاقتراض بل من الانتاج فتوجهت بكل طاقتها الى الصناعة والتصدير ووفرت بيئة جاذبة للاستثمار وربطت التعليم بإحتياجات الاقتصاد فتحولت خلال عقود قليلة من دولة انهكتها الحروب الى واحدة من اسرع الاقتصاديات نموا فى العالم
أما تركيا فقد اثبتت فى مراحل نجاحها ان جذب الاستثمارات لا يتحقق بالشعارات أو المؤتمرات بل بالاستقرار النقدى والسيطرة على التضخم وتوفير بيئة تشريعية وادارية تمنح المستثمر الثقة قبل ان تمنحه الحوافز وعلى الجانب الاخر ..تقدم الارجنتين درسا لا يقل اهمية فقد أدى الافراط فى الاعتماد على الديون الخارجية مع ضعف الانتاج وغياب الاصلاحات الهيكلية الى أزمات اقتصادية متكررة لتؤكد أن الاقتراض ليس سياسة تنموية وإنما أداه قد تتحول الى عبء إذا لم تستخدم فى بناء اقتصاد قادر على السداد .
هذه التجارب تؤكد حقيقة لا تقبل الجدل لا توجد دولة اقترضت طريقها الى الازدهار وإنما ازدهرت لانها انتجت وصدرت وابتكرت أن أى برنامج للإصلاح الاقتصادى لا يحقق اهدافه إذا اقتصر على المؤشرات المالية وحدها بينما يظل الانتاج ضعيفا والصادرات محدودة والاستثمار الصناعى أقل من الطموح فالاقتصاد القوى لا يقوم على الاستهلاك بل على الانتاج ولا على الديون بل على خلق قيمة مضافة حقيقية .
مصر تمتلك من المقومات مايجعلها قادرة على تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية موقع جغرافى فريد وسوقا كبيرة وموارد بشرية هائلة وبنية اساسية شهدت تطورا كبيرا خلال السنوات الاخيرة لكن هذه المقومات لن تؤتى ثمارها الكاملة الإ اذا اصبحت الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتصدير هى الاولوية الاولى ,, وتم توجيه التمويل الى القطاعات المنتجة التى تخلق فرص العمل وتزيد من القدرة التنافسية للاقتصاد ان الطريق الى التعافى ليس مستحيلا لكنه يتطلب شجاعة فى اتخاذ القرار وانضباطا فى ادارة المال العام وعدالة فى توزيع الاعباء وشفافية تعزز ثقة المواطن والمستثمر معا .
فالتاريخ لا يخلد الدول التى واجهت الازمات وإنما يخلد الدول التى أحسنت إدارتها والاقتصاد لا يدار بالشعارات بل بالقرارات الصعبة ولا تقاس قوة الامم بحجم ديونها أو مشروعاتها بل بقدرتها على بناء اقتصاد منتج يحقق النمو المستدام ويحفظ كرامة المواطن .
كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالاستئناف العالى ومجلس الدولة









