كتب عادل البكل
يرسي البنك المركزي المصري بهدوء دعائم مشروعه النقدي الأكثر طموحا على الإطلاق والمتمثل في الجنيه الرقمي. ومع تحول العملات الرقمية للبنوك المركزية من مجرد مفهوم نظري إلى واقع ملموس عالميا، تجد مصر نفسها أمام عملية موازنة حساسة؛ فالمكاسب المنتظرة من توسيع مظلة الشمول المالي ورفع كفاءة المدفوعات الحكومية، تقابلها تحديات لا يستهان بها تتعلق بالمخاطر السيبرانية، واستقرار الجهاز المصرفي، وصعوبة اختراق اقتصاد تهيمن عليه التعاملات النقدية الورقية.
الموقف الحالي:
أنهى البنك المركزي المصري مرحلة الأبحاث الأولية وانتقل إلى مرحلة إثبات المفهوم، مستهدفا الطرح الرسمي للعملة الرقمية بحلول عام 2030. ويستند هذا الإطار الزمني إلى وثيقة أبرز التوجهات الاستراتيجية للاقتصاد المصري الصادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء في 2024، والتي تربط الجنيه الرقمي بمستهدفات الدولة الرامية إلى تحقيق الشمول المالي بنسبة 100%، والوصول بعدد المحافظ الإلكترونية النشطة إلى 80 مليون محفظة بنهاية العقد الحالي.
الرقمي لا يعني مشفرا
تختلف العملة الرقمية شكلا ومضمونا عن نظيرتها المشفرة؛ فالأصول المشفرة على غرار البتكوين تفتقر إلى أي غطاء حكومي أو دعم من البنوك المركزية. وفي تصريحاتها لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية، أوضحت خبيرة الاقتصاد الرقمي مي حجازي أنه حال طرح الجنيه الرقمي، “سيكون بمثابة النسخة الرقمية الرسمية للعملة الوطنية، ويصدرها مباشرة البنك المركزي”.
أيضا الجنيه الرقمي لا يشبه تطبيقات الدفع عبر الهاتف المحمول مثل فودافون كاش أو فوري. ويفسر سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، هذا الاختلاف مشيرا إلى أن “هذه المحافظ الإلكترونية مجرد قنوات وسيطة تديرها البنوك أو شركات الاتصالات لحفظ وتداول النقد التقليدي”. أما العملة الرقمية فتمثل نظاما نقديا جديدا بالكامل، ولم يشهد انتشارا واسع النطاق حتى الآن.
بخطى متأنية
عالميا، يتباين مشهد تطوير العملات الرقمية للبنوك المركزية بشدة. فمع أن هناك 146 دولة تعكف بجدية على استكشاف إمكانية إصدار عملات رقمية، ووصلت 77 دولة منها إلى مراحل متقدمة من البحث أو الاختبار التجريبي أو الطرح، إلا أن الطرح النهائي للجمهور لا يزال أمرا نادرا. ولم تُكمل سوى ثلاث دول فقط هذه العملية — وهي جزر البهاما وجامايكا ونيجيريا — وفقا لمتتبع العملات الرقمية للبنوك المركزية التابع للمجلس الأطلسي.
وقال المحلل المالي هاني أبو الفتوح لإنتربرايز: “التحول الرقمي لا يعني إحراز تقدم بالضرورة؛ فبعض المشروعات لا تختبر كفاءة التكنولوجيا فحسب، بل مدى جاهزية الاقتصاد نفسه”. ويتساءل: “هل تحتاج مصر فعليا إلى عملة رقمية يصدرها البنك المركزي في الوقت الراهن، أم أن الأولوية الأكثر هدوءا وواقعية تتمثل في تعزيز البنية التحتية الحالية للمدفوعات قبل الانتقال إلى أداة أكثر حساسية؟”
وتعكس الوتيرة المتأنية للبنك المركزي رؤية استراتيجية وليست حالة من التردد. قالت شيماء وجيه، أستاذة الاقتصاد بالأكاديميةالعربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، لإنتربرايز: “يتعامل البنك المركزي مع مشروع الجنيه الرقمي باعتباره مبادرة استراتيجية طويلة الأجل ترتبط بمستقبل النظام النقدي بأكمله، وليس مجرد أداة دفع جديدة”. وأضافت أن “المركزي يركز حاليا على دراسة النماذج الدولية… قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي”. من جانبه، أشار محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، إلى أن تقلبات أسواق المال والتحديات الجيوسياسية الإقليمية ساهمت أيضا في إرجاء التنفيذ المبكر للمشروع.
الاستفادة من التجارب الدولية
يستخلص البنك المركزي المصري الدروس من المبادرات الخليجية والتجارب الرائدة للعملات الرقمية الموجهة للأفراد في الهند ونيجيريا. ففي حالة الإمارات والسعودية، انصب التركيز الأكبر على مدفوعات الجملة والتسويات المالية البينية — عبر مشروع عابر — بدلا من إحلال النقد. وأوضحت وجيه أن “نجاح مشروع عابر لم يكن تقنيا فحسب، بل أثبت قدرة العملات الرقمية على تسريع التسويات العابرة للحدود بكفاءة عالية”.
ويستكشف مشروع متعدد الأطراف آخر، وهو مشروع الجسر، تجربة أوسع نطاقا، بمشاركة مصرف الإمارات المركزي، وبنك التسويات الدولية، ومركز الابتكار في هونج كونج، وهيئة النقد في هونج كونج، وبنك تايلاند، ومعهد العملات الرقمية التابع لبنك الشعب الصيني. وأضافت وجيه: “الدرس المهم لمصر هو أن العملات الرقمية قد لا تقف عند حدود كونها وسيلة دفع محلية، بل يمكن أن تصبح أداة محورية لتعزيز كفاءة التجارة الدولية والاستثمار والتحويلات المالية”.
دروس من الهند ونيجيريا على مستوى الأفراد:
حققت الهند نجاحا ملموسا في تجربتها، لكن هذا يعود بالأساس إلى البنية التحتية الرقمية المتطورة التي سبقت طرح العملة، وليس إلى النظام الجديد بحد ذاته، بحسب وجيه. فالبيئة هي العامل الحاسم، إذ أطلقت نيجيريا عملتها الرقمية “إي نايرا” مبكرا، لكنها فشلت في الوصول إلى مستويات الاستخدام المستهدفة، لكون المستخدمين أكثر ألفة مع وسائل الدفع الرقمية القائمة بالفعل. وتخلص وجيه إلى أن “نجاح الجنيه الرقمي سيعتمد كليا على القيمة المضافة التي سيقدمها للمواطنين مقارنة بالبدائل المتاحة بالفعل”.
الإيجابيات
من شأن الجنيه الرقمي أن يُحسن كفاءة المدفوعات، ويقلص التكاليف المرتبطة بتداول النقد، ويعزز الشمول المالي، إلى جانب دمج قطاعات من الاقتصاد غير الرسمي الضخم في مصر ضمن المنظومة الرسمية. وقال قاسم: “على عكس النقد الورقي، سيوفر الجنيه الرقمي سجلا دقيقا وموثقا لكل معاملة مالية”. وأضافت وجيه أنه “يُمكن توجيه الدعم النقدي والتحويلات المالية للمستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية بشكل لحظي وآمن وقابل للتتبع، مما يحد من تسرب الدعم ويرفع كفاءة الاستهداف”. في الوقت ذاته، قد تتحول العملة إلى “أموال قابلة للبرمجة”، بحيث تُوجه حصيلتها لأغراض محددة سلفا وفقا لضوابط تنظيمية، بحسب حجازي.
المخاطر
يتمثل التحدي الأبرز في ضمان أن تسهم العملة الرقمية الموجهة للأفراد في تعزيز صلابة النظام المصرفي، وليس زعزعته. وحذرت وجيه قائلة: “إذا تحول جزء من الودائع المصرفية إلى الجنيه الرقمي، فقد تتأثر قدرة البنوك على منح الائتمان”. ولهذا السبب، تصمم العديد من البنوك المركزية عملاتها الرقمية لتكون مكملة لعمل البنوك التجارية وليست منافسا لها.
الأمن السيبراني والخصوصية:
يصف قاسم الأمن السيبراني بأنه “الركيزة الأساسية لضمان نجاح واستقرار الجنيه الرقمي”. لكن أبو الفتوح يرى أن هناك مخاطر إضافية لا بد من أخذها في الحسبان، مشيرا إلى أن “هناك تساؤلات مشروعة تتعلق بالخصوصية، وحدود تتبع المعاملات، وما إذا كان سيتبقى دور فعلي للبنوك التجارية حال امتلاك المواطنين أداة دفع مباشرة مرتبطة بالبنك المركزي”.
وجهة نظر نشرة “انتربرايز” الاقتصادية : الجنيه الرقمي في جوهره هو إصلاح نقدي وليس مجرد مشروع تكنولوجي. وينبغي للبنك المركزي أن يتجنب الاندفاع نحو طرح العملة للأفراد، والتركيز عوضا عن ذلك على تسويات الجملة وتعزيز منظومة الدفع القائمة. وكما تلخص وجيه المشهد: “الجنيه الرقمي يمثل المرحلة التالية من التطور، وليس نقطة البداية”.










