مصرُ تُضيف ولا يُضاف عليها… مصر شامخة دائماً وأبداً… مصر تزيد التاريخ شرفاً وتمنح الأحداث مكانتها، فهي أكبر من أي بطولة وأسمى من أن تحجم بقرار. إننا في مصر لا نقيس حضورنا بمحفل رياضي، ولا نزن قضايانا الوجودية بمكاسب مادية زائلة؛ فكرامة هذه الأمة وقيمتها التاريخية تعلوان فوق كل حسابات الأرقام والمنافع اللحظية.
وحين يتحدث صوت مصر عن قضايا أمتها المصيرية، فلا يمكن اختزاله في نتيجة مباراة، بل يُقاس بوجدان أمة ودولة ذات عقيدة راسخة وثوابت ثابتة، نحمل فيها لواء الأخوة العربية وندعم بكل قوة قضايانا العادلة، وعلى رأسها قضية الدولة الفلسطينية؛ هذا الانحياز المطلق لأشقائنا وثوابتنا لم يكن يوماً خياراً خاضعاً للمناورة، بل هو واجب حتمي، فدماء الشهداء وعروبة القضية ليست أوراقاً للتفاوض أو البيع من أجل فوز مادي عابر، وحين قدم الأشقاء في فلسطين قوافل الشهداء، كانوا يدافعون مع أرضهم عن شرف الأمة العربية وهويتها كاملة، وقد تجلت هذه العقيدة السياسية في أعلى مستويات القيادة، بالموقف الحاسم والتاريخي للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي منع التهجير وحمى ثوابت القضية الفلسطينية في لحظة فارقة.
وإن كانت المستويات الفنية في كرة القدم تتغير وتخضع دائماً للنقد والتحليل، فإن هناك مواقف وطنية وعروبية عابرة للمستطيل الأخضر، مواقف تفوح منها المروءة ولا تقبل التحفظ أو التراجع؛ وهنا بالذات، وضعت العدالة الرياضية والنزاهة المفترضة في المؤسسات الدولية، وخاصة الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، في اختبار حقيقي، فسقطت في فخ التواطؤ وازدواجية المعايير. ولقد تجلى هذا السقوط بوضوح في أداء تحكيمي افتقر لأدنى معايير النزاهة والعدالة؛ حيث بدت القرارات على أرض الملعب موجهة بشكل صارخ، وكأنها تخدم أجندات مسبقة الصنع وولاءات خارجية لا تمت للروح الرياضية بصلة.
إن محاولات هذه المؤسسة لتسييس الرياضة وتفصيل مواقفها وفقاً لصغائر المصالح، لا تليق بجهة يُفترض أنها ترعى قِيماً إنسانية جامعة؛ ومن مكانتنا كشعب مصر، فإننا ننظر بعين الاستخفاف والأسف إلى هذا العجز الملحوظ في مجاراة الشموخ المصري، ونؤكد للعالم أجمع أن تاريخ مصر ومكانتها أسمى بكثير من أن تُحجم بقرارات مُوجهة تفتقر لأبسط قواعد النزاهة. إن “الفيفا” بمسلكها الحالي لا تظلم مصر، فمصر أكبر من ذلك بكثير، وإنما تضع على جبينها “وصمة عار” تُفقدها مصداقيتها الدولية، وتثبت أنها ارتضت لنفسها أن تكون أداة في أسواق المصالح الضيقة، ونحن لا نلتفت لمن يبيع نزاهته الرياضية من أجل مكاسب لحظية زائلة، ليعلموا يقيناً أن قرارات تواطئهم ضدنا ليست دليلاً على قوتهم، بل هي برهان جلي على صغر حجمهم وعجزهم عن الوقوف في وجه كبرياء مصر.
فنحن الذين بلغت بنا ذروة الفخر والاعتزاز، عند التأهل المظفر للدور الستة عشر، أن رفعنا علم فلسطين أَبياً يُعانق علم مصر العظيم في مشهد زلزل كبرياءهم وكسر غرورهم، ليعلم العالم أجمع أن فلسطين في وعي ومجرى دم كل مصري. وإن ما أقدم عليه الكابتن حسام حسن من موقعه كمسؤول عن أقدم منتخب في القارة الإفريقية، ليس إلا امتداداً طبيعياً وتأكيداً للعالم أجمع بأن هذه القضية حية في قلب 120 مليون مصري، تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل؛ لقد أثبت الكابتن حسام أنه بطل حقيقي، وذكّر الجميع بأن قميص المنتخب المصري يحمل خلفه دائماً نبض الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط.
إن المسؤولية الوطنية جلل، وكل من منبره وموقعه يقود اليوم معركة الوعي والهوية، إن تقديم التحية لرجال المنتخب وأبطاله واجب لا غنى عنه، أما إجلال موقفهم المبدئي والشجاع فهو فرض لا مفر منه؛ فكل التقدير والثناء للكابتن حسام حسن، ولكافة أبطال منتخب مصر. ولقيادتنا السياسية، وشعبنا العظيم الحارس دائماً للوعي والكرامة.










