كتب عادل احمد
عندما تختزل الشركات التسويق في الأرقام.. في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التسويق، مدفوعة بالتحول الرقمي والتطور الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح تنفيذ الأنشطة التسويقية أسهل من أي وقت مضى، لكن في المقابل أصبح من السهل أيضًا اختزال التسويق في أدواته. فبالنسبة لكثير من الشركات، يُقاس نجاح التسويق بعدد المنشورات أو الـ Reach أو عدد المشاهدات، بينما يرى المتخصصون أن هذه المؤشرات ليست سوى جزء صغير من الصورة.
وترى رنا كريم، المتخصصة في التسويق وتحسين تجربة العميل، أن المشكلة لا تكمن في التسويق نفسه، وإنما في الطريقة التي أصبح يُنظر بها إليه.
وتقول: “في كثير من الاجتماعات التي أحضرها، يبدأ النقاش بسؤال واحد: إزاي نزود الـ Reach؟ أو كم بوست سننشر هذا الشهر؟ بينما نادرًا ما يبدأ بالسؤال الأهم: لماذا ننفذ هذه الحملة أصلًا؟ من العميل الذي نستهدفه؟ وما الرسالة التي نريد أن تصل إليه؟”
وتضيف أن الوصول إلى عدد أكبر من الأشخاص مهم، لكنه ليس الهدف النهائي، بل مجرد وسيلة ضمن منظومة تسويقية متكاملة.
التسويق أكبر من إعلان على وسائل التواصل الاجتماعي
تؤكد رنا كريم أن من أكثر المفاهيم التي تحاول تصحيحها باستمرار هو الاعتقاد بأن التسويق يساوي الإعلان، أو أن إدارة صفحات التواصل الاجتماعي هي التسويق.
وتوضح أن التسويق يبدأ قبل الإعلان بوقت طويل، من خلال دراسة السوق، وفهم سلوك العملاء، وتحليل المنافسين، وبناء القيمة، وتحديد الميزة التنافسية، ووضع استراتيجية واضحة، ثم اختيار القنوات المناسبة للوصول إلى الجمهور.
وتقول: “الإعلان جزء من الحملة، والحملة جزء من الاستراتيجية، والاستراتيجية جزء من خطة الأعمال. عندما نفصل هذه العناصر عن بعضها، نفقد المعنى الحقيقي للتسويق.”
الإعلان يفتح الباب… لكنه لا يبني النجاح
ومن واقع خبرتها، تشير رنا كريم إلى أن بعض المؤسسات تعتقد أن حملة إعلانية ناجحة كفيلة بصناعة النجاح، بينما الواقع يثبت أن الإعلان وحده لا يكفي.
وتوضح أنها شهدت في أكثر من مشروع شركات كانت تتوقع أن تحل حملة إعلانية واحدة جميع تحدياتها، بينما كانت المشكلة الحقيقية تكمن في جودة المنتج، أو مستوى الخدمة، أو تجربة العميل، وليس في الإعلان نفسه.
وتقول: “قد ينجح الإعلان في أن يعرفك الناس، لكنه لا يستطيع أن يجعلهم يعودون إليك مرة أخرى. الذي يحقق ذلك هو جودة المنتج، ومستوى الخدمة، وتجربة العميل.”
وتضيف أن التسويق لا يستطيع تعويض ضعف المنظومة الداخلية، بل قد يكشفها بصورة أسرع.
“إذا كان المنتج لا يلبّي توقعات العميل، أو كانت الخدمة دون المستوى، فإن الإعلان لن يحل المشكلة، بل سيجلب عددًا أكبر من العملاء ليعيشوا تجربة غير مرضية. لذلك أقول دائمًا إن الإعلان يفتح الباب، لكن القيمة هي التي تجعل العميل يبقى.”
وترى أن هذه القاعدة لا تنطبق على الشركات فقط، بل على الأفراد أيضًا، فبناء العلامة الشخصية لا يعتمد على الانتشار وحده، وإنما على القيمة الحقيقية التي يقدمها الشخص، ومدى اتساق رسالته، وقدرته على الحفاظ على ثقة جمهوره.
عندما تُختزل المهنة في الأدوات
وتلفت رنا كريم إلى أن سهولة الوصول إلى أدوات التصميم والذكاء الاصطناعي ساهمت في دخول أعداد كبيرة إلى المجال، وهو أمر تراه إيجابيًا لأنه يمنح فرصًا أكبر للتعلم، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن امتلاك الأدوات لا يكفي لصناعة متخصص.
وتقول: “أنا مع أن يتعلم أي شخص التسويق، لكني ضد اختزال التخصص في أداة أو منصة. التسويق علم يُدرّس، ويتطور باستمرار، ويجمع بين الإدارة، والاقتصاد، وعلم النفس، وتحليل البيانات. أما الأدوات فهي مجرد وسيلة لتنفيذ الفكرة.”
الإبداع يبدأ بعد الفهم
وتؤكد رنا كريم أن الإبداع عنصر أساسي في التسويق، لكنه لا يحقق نتائج بمفرده.
وتقول: “الإبداع ليس تصميم إعلان جميل أو كتابة عبارة جذابة، بل أن نفهم العميل أولًا، ثم نقدم له الفكرة المناسبة، في الوقت المناسب، وبالطريقة التي تحقق قيمة حقيقية. بالنسبة لي، الإبداع يبدأ بعد الفهم، وليس قبله.”
وتشير إلى أن الحملات التسويقية الأكثر نجاحًا عالميًا لم تعتمد على الفكرة وحدها، بل على فهم عميق لاحتياجات العملاء وسلوكهم، وهو ما جعل الإبداع وسيلة لتحقيق أهداف الأعمال، وليس هدفًا في حد ذاته.
ماذا تقول الأرقام؟
توضح رنا كريم أن هذا التوجه تدعمه الدراسات العالمية؛ إذ تشير أبحاث Bain & Company إلى أن زيادة معدل الاحتفاظ بالعملاء بنسبة 5% قد تؤدي إلى زيادة الأرباح بنسبة تتراوح بين 25% و95%.
كما تؤكد تقارير PwC أن تجربة العميل أصبحت من أهم العوامل المؤثرة في قرارات الشراء، وهو ما يجعل الاستثمار في تحسينها ضرورة استراتيجية، وليس مجرد ميزة إضافية.
الذكاء الاصطناعي يغيّر الأدوات… لا المبادئ
وترى رنا كريم أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة لتطوير المهنة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن التفكير الاستراتيجي.
وتقول: “الذكاء الاصطناعي يستطيع مساعدتنا في كتابة المحتوى، وتحليل البيانات، وتسريع تنفيذ المهام، لكنه لا يستطيع بناء الثقة، أو فهم مشاعر العميل، أو وضع استراتيجية تنطلق من فهم حقيقي للسوق. هذه مسؤولية الإنسان، وستظل كذلك.”
القيمة أولًا… ثم تأتي النتائج
وتختتم رنا كريم حديثها بالتأكيد على أن التسويق الحقيقي لا يُقاس بعدد المنشورات أو المشاهدات، وإنما بقدرته على خلق قيمة تحقق نموًا مستدامًا.
وتقول: “التسويق ليس علمًا بلا إبداع، ولا إبداعًا بلا علم. إنه نقطة الالتقاء بين التحليل والابتكار، وبين فهم الإنسان وصناعة القيمة. قد يصنع الإعلان شهرة مؤقتة، لكن السمعة لا يصنعها إلا منتج يفي بوعده، وخدمة تحترم العميل، وتجربة تستحق أن يتحدث عنها العملاء. وفي النهاية، التسويق ليس مجرد حملة ناجحة، بل قرار استراتيجي يصنع مستقبل العلامة التجارية.”









