لم أكتب هذا الكتاب لأنني أزعم امتلاك نظرية جديدة في التمثيل، ولا لأنني أبحث عن وصفة جاهزة لصناعة الممثل. كتبته لأنني، عبر سنوات من العمل في المسرح، كنت أعود في كل تجربة إلى السؤال نفسه:
من أين يأتي الأداء المصري؟
كنت أرى ممثلين يمتلكون الموهبة، ويبذلون جهدًا كبيرًا في التدريب، لكن شيئًا ما كان ينقصهم. لم يكن النقص في التقنية، ولا في الثقافة، ولا في الرغبة، بل في الصلة الحية بالبيئة التي خرجوا منها. كنت أشعر أن أجسادهم تعرف أكثر مما يؤدون، وأن أصواتهم تحمل طبقات من الحكايات لم تُستدعَ بعد، وأن الذاكرة الشعبية التي صنعت وجدان الإنسان المصري ما زالت تنتظر من يعيد اكتشافها داخل قاعة التدريب، لا داخل المتحف.
من هنا بدأت رحلة هذا الكتاب.
لم تكن رحلة بحث في التراث من أجل حفظه، بل بحثًا عن الأدوات الحية الكامنة فيه؛ الأدوات التي يمكن أن تمنح الممثل المعاصر خصوصية، لا أن تعيده إلى الماضي. فالفنون الشعبية، في تصوري، ليست بقايا زمن مضى، وإنما مختبر إنساني هائل لفهم الجسد، والصوت، والإيقاع، والحكي، والعلاقة بالجمهور.
هذا الكتاب لا يدعو إلى تقليد الحكّاء، أو إعادة إنتاج الأراجوز، أو نقل الحلقة الشعبية إلى خشبة المسرح كما هي، بل يدعو إلى فهم الآليات التي منحت هذه الأشكال قدرتها على التأثير، ثم إعادة توظيفها داخل لغة مسرحية معاصرة.
وإذا كان هذا الكتاب يقدّم منهجًا تدريبيًا، فهو في الوقت نفسه يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات. لأنني أؤمن أن المسرح الحقيقي لا يبدأ حين نجد الحلول، بل حين نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة.
إن ما بين يديك ليس كتابًا عن الفنون الشعبية، وليس دراسة في الفولكلور، وليس دليلًا لتقليد الأشكال التراثية. إنه محاولة للاقتراب من الممثل المصري نفسه؛ من ذاكرته، ومن جسده، ومن صوته، ومن علاقته بالناس وبالحياة اليومية، بحثًا عن أداء يعبّر عنه، لا عن غيره.
أرجو أن يقرأ هذا الكتاب بوصفه بداية لحوار، لا نهاية له. وأن يكون دعوة مفتوحة إلى التجريب، والمراجعة، والاختلاف، والإضافة. فالمسرح لا يتقدم بإجماع الآراء، بل بتعدد الرؤى، وبالاجتهاد المستمر في البحث عن الإنسان.
وإذا نجح هذا الكتاب في أن يدفع ممثلًا واحدًا إلى إعادة النظر في جسده، أو صوته، أو طريقته في الوقوف على الخشبة، فسأعتبر أن رحلته قد بدأت تحقق غايتها.











