ليست الموروثات الشعبية لدى قبيلة “الرشايدة” مجرد مراسم عابرة يُحييها الناس في مناسباتهم، بل هي وثائق حية تُجسد فلسفة التضامن، ونقاء الوجدان البدوي، وتماسك النسيج القبلي الذي صمد أمام تقلبات الزمان. ومن بين هذه العادات التي حملت رمزية عميقة، تأتي “ليلة الحناء” — تلك الليلة التي تسبق “ليلة الدخلة” — لترسم لوحة اجتماعية نادرة تجمع بين البهجة والمهابة، والوفاء والخوف الفطري على العريس.
تبدأ تفاصيل هذه الليلة الرمزية بُعد غروب الشمس؛ حيث يتداعى أصدقاء العريس وخلّانه، يجتمعون حوله في فناءٍ واسع. يُجلسون العريس — وهو يرتدي ثوبه الأبيض الناصع كرمز للنقاء والبداية الجديدة — على “حصير” متواضع وُضع في وسط مجلس الرجال. وفي تلك اللحظة، يبدأ الطواف الشرفي؛ إذ يطوف به الشباب يرقصون ويغنون بكلمات ا لغناء والقصيد التي تُشيد بالمروءة، والنسب، والشهامة.
ثم يحضروا الحناء في “طَست” كبير، لتُدهن بها قدماه ويداه، بل ويُلطّخ بدنه بثوب الحناء في طقسٍ يُشبه التعميد الاجتماعي بالفرح. وهنا تتجلى أبهى صور التضامن والوفاء البدوي؛ إذ لا يقف الأصحاب موقف المشاهد، بل يتقدم الشباب والرفاق ليلطخوا ثيابهم الناصعة بالحناء أيضاً، معلنين مشاركتهم الفعلية للعريس في حمولته وفرحته، في رسالة بصريّة مفادها: “نحن معك في خطوتك الجديدة، نفرح لفرحك ونحمل معك أثر هذه الليلة”.
ولا تخلو الليلة من مظاهر الدعم والاحتفاء، حيث يتقاطر الحضور لتنقيط العريس بالمال — يضعونه في حجره دعماً وتأزيراً — وسط زغاريد الكفوف وأهازيج الغناء التي تملأ الأفق. ويبقى العريس في موضعه على الحصير أمام جموع الناس فترة طويلة، ممثلاً مركز الكرم والاحتفاء.
غير أن الطقس لا ينتهي بالبهجة المباشرة فحسب، بل يتداخل فيه الحذر الفطري والموروث الثقافي لحماية العريس؛ فما إن تنتهي المراسم حتى يحمله الشباب على الأكتاف لينقلوه إلى مكانٍ خفي ومستور، لا يراه فيه أحد حتى بزوغ الفجر، وذلك بدافع الخوف عليه من عينٍ حاسدة أو سحرٍ يترصد فرحته. وتُضرب حوله حراسة وعناية مشددة، في حين تُجرى للعروس في خدرها وبين النساء مراسم ممثلة تُحيطها بالستر والرعاية.
إن هذه العادات التي كانت بالأمس القريب شبه مقدسة في عرف الرشايدة، تُعد اليوم من الموروثات التي بدأت تنقرض وتسقط من ذاكرة اليومية، ولم يبقَ منها إلا القليل النادر في بعض المضارب النائية. إن تدوين هذه التفاصيل ليس مجرد استرجاع للماضي، بل هو إنقاذٌ لجزء من الهوية الثقافية التي تشهد على عمق الروابط الإنسانية في البادية قبل أن تجرفها مدنية العصر الحديث.










