د. عامر عيد يكتب.. الوضع الراهن بالنسبة للسعودية والخصوم اليمنيين .. تحويل السيطرة والضغط العسكري المتزايد إلى سلطة سياسية واقتصادية (1-2)

ينزلق اليمن بسرعة نحو الحرب مجدداً؛ خلال الأسابيع القليلة الماضية، اشتدت حدة القتال بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة على طول خطوط المواجهة الرئيسية، حيث يتبادل الحوثيون إطلاق النار بشكل منتظم مع السعودية، الداعم الخارجي الرئيسي لخصومهم اليمنيين؛ لا يمثل التصعيد الحالي عودةً للصراع الذي دار رحاه بين عامي 2014 و2022، حين ساد هدنة هشة بحكم الأمر الواقع؛ ولا يزال القتال البري محصوراً في مناطق قليلة، مع ازدياد أهمية الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها من أشكال الهجمات بعيدة المدى؛ والسؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه المناوشات ستؤدي إلى صراع أوسع؟.

الغارات الجوية والحصار البحري

وقد بات التراجع عن الهدنة بحكم الأمر الواقع واضحاً منذ أوائل أغسطس الماضي 2026؛ بدأ هذا التحول بأزمة منتصف يوليو 2026 بسبب رحلات جوية بين صنعاء وطهران، قام بها الحوثيون دون موافقة مسبقة من الرياض والتحالف الذي تقوده لدعم الحكومة اليمنية؛ بعد إحدى هذه الرحلات، شنت السعودية – التي اعتبرتها محاولةً لتحدي سيطرة التحالف على المجال الجوي اليمني- غاراتٍ جوية على مطار صنعاء؛ وردًا على ذلك، أعلن الحوثيون فرض “حصار بحري” على السفن المرتبطة بالسعودية، وهددوا بضرب الأراضي والمنشآت السعودية؛ ثم شنوا غاراتٍ على مدينتي جيزان وأبها، جنوب المملكة، واستهدفوا أيضًا منشآت نفطية في ينبع على ساحل البحر الأحمر؛ وردت السعودية بغارات جوية على أهداف الحوثيين، بما في ذلك مدينة الحديدة الساحلية وجزيرة كامران القريبة؛ عند هذه النقطة، امتدت المواجهة إلى ساحة المعركة اليمنية، حيث شن الحوثيون هجمات على القوات الموالية للحكومة على جبهاتٍ متعددة.

لا يزال من غير الواضح إلى أين تتجه الأمور، لكن خطر اندلاع حربٍ أوسع نطاقًا قائم، وستكون عواقبها وخيمة على اليمن والمنطقة؛ ولا يشترط أن يرغب أي طرف في نشوب صراعٍ أكبر حتى يبدأ، وتُضيف الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران بُعدًا متفجرًا إلى الوضع؛ ينبغي على الأطراف اتخاذ خطوات لخفض التصعيد دون تأخير، ولكن يلزم أكثر من ذلك لاستعادة الهدنة الفعلية.

اتساع رقعة القتال

جاءت أقوى هجمات الحوثيين في السادس من أغسطس، عندما أطلقت الجماعة عدة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على مواقع قوات الطوارئ الموالية للحكومة في حضرموت ومأرب؛ وأفادت مصادر عسكرية يمنية لمجموعة الأزمات الدولية؛ هي منظمة غير حكومية مستقلة، غير ربحية، تأسست عام 1995 وتتخذ من بروكسل مقراً رئيسياً لها، وتعمل على مستوى العالم لمنع وقوع النزاعات المسلحة وتسويتها أو التخفيف من حدتها، بمقتل ما لا يقل عن 50 جنديًا، بينهم أربعة ضباط سعوديين، وإصابة العشرات؛ وقال الحوثيون أن هجومهم كان استباقيًا لهجوم مُخطط له من قبل القوات الحكومية؛ لكن مصادر في صنعاء تُشير إلى أن دوافعهم كانت مختلفة؛ أولًا، تُشارك قوات الطوارئ في تعقب المهربين في حضرموت والجوف ومأرب، ومراقبة الطرق التي استخدمها الحوثيون لنقل الأسلحة والمعدات الأخرى إلى المناطق الخاضعة لسيطرتهم؛ ثانيًا، تقع المواقع المستهدفة على حدود المملكة العربية السعودية، وكانت ذات أهمية بالغة لإمداد القوات الحكومية في مأرب، التي تُعد جبهة رئيسية في المعارك السابقة مع الحوثيين؛ من خلال ضرب هذه المواقع، أشار الحوثيون إلى قدرتهم على منعها من أن تصبح منصات انطلاق لهجوم حكومي أوسع.

امتد القتال منذ ذلك الحين إلى عدة جبهات أخرى؛ صعّد الحوثيون هجماتهم على مأرب، ما أسفر عن سقوط العديد من الضحايا المدنيين، بينما اشتدت الاشتباكات في الضالع وتعز وشبوة؛ كما اشتبكت قوات الحوثيين مع قوات المقاومة الوطنية الموالية للحكومة على ساحل البحر الأحمر، وشنّت لاحقًا هجمات على مدينة المخا ومينائها؛ من جانبها، شنت القوات الموالية للحكومة سلسلة من الهجمات الدقيقة بطائرات مسيّرة على مواقع عديدة للحوثيين، بما في ذلك مواقع حول مأرب وتعز والمخا وحجة والضالع؛ وبذلك، أظهروا قدرتهم على العمل بتنسيق في عدة مواقع في آن واحد؛ يمتلك كلا الجانبين الآن قدرات عسكرية متطورة، تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة وغيرها، أكثر مما كان عليه الحال عندما هدأت خطوط المواجهة إلى حد كبير في مارس 2022.

وأخيرًا، شنّ الحوثيون هجمات على سفن تجارية؛ ففي 11 أغسطس، استهدفوا سفينة شحن قرب مضيق باب المندب بثلاثة صواريخ باليستية، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص، بينهم بحارة باكستانيون وإندونيسيون واثنان من رجال الإنقاذ اليمنيين، وإصابة عشرة آخرين؛ قال الحوثيون أن السفينة كانت تحمل معدات عسكرية سعودية، وهو ادعاء نفته الحكومة اليمنية، مؤكدةً أنها لم تكن تحمل سوى مواد غذائية؛ وعقب الهجوم، شنّ الحوثيون هجمات عنيفة على المخا ومواقع ساحلية أخرى، ما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص على الأقل، بينهم اثنان من حراس أمن الميناء، وإلحاق أضرار بمرافق الميناء وقوارب مجاورة، ما يُظهر بوضوح أن أهداف حملتهم البحرية تتجاوز تعطيل الملاحة في البحر الأحمر لتشمل زيادة مخاطر المرور عبر باب المندب.

استراتيجية الحوثيين

بالنسبة للحوثيين، لا يقتصر القتال المتجدد على تحقيق أهداف ميدانية فورية، بل يهدف أيضاً إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية؛ ويبدو أنهم عاجزون حالياً عن شنّ هجوم شامل يهدف إلى الاستيلاء على أراضٍ سعياً وراء نصر عسكري؛ بل إنهم يحاولون رفع ثمن الوضع الراهن بالنسبة للسعودية وخصومهم اليمنيين، أملاً في إجبارهم على تقديم تنازلات؛ ورغم أن الحوثيين مدفوعون بمصالحهم الخاصة، إلا أن نهجهم يخدم أيضاً غرضاً أوسع، فهم يعملون بالتنسيق مع إيران، في وقت تتوق فيه طهران إلى إثبات قدرتها على إلحاق خسائر فادحة بالولايات المتحدة وشركائها الإقليميين.

على الصعيد الداخلي، ظلت مطالب الحوثيين ثابتة؛ فهم يريدون من خصومهم السماح برحلات جوية دولية متواصلة من وإلى مطار صنعاء؛ ودفع رواتب القطاع العام في المناطق التي يسيطرون عليها “أولاً من خزائن الرياض، ثم من عائدات مبيعات النفط اليمني”؛ وتقاسم الإيرادات العامة معهم؛ ورفع القيود المفروضة على ميناء الحديدة؛ لكل مطلب من هذه المطالب وظيفة سياسية هامة؛ يسعى الحوثيون إلى استغلال سيطرتهم على صنعاء وجزء كبير من شمال اليمن للحصول على اعتراف دولي بسيادتهم، بما في ذلك على خطوط الطيران والتجارة والعلاقات الخارجية.

ويُعدّ النزاع حول الرحلات الجوية بين صنعاء وطهران مثالاً واضحاً على ذلك، فالمسألة لا تقتصر على وصول المساعدات الإنسانية إلى العاصمة فحسب، بل تتعداها إلى قدرة الحوثيين على إقامة روابط مع العالم الخارجي دون موافقة الحكومة المعترف بها دولياً؛ وبالطبع، فإن اختيارهم طهران كوجهة ليس بريئاً على الإطلاق، إذ يمكن استخدام هذا المسار لنقل المعدات والأفراد العسكريين، حسب اتهامات الحكومة اليمنية؛ وينطبق المنطق نفسه على ميناء الحديدة ورواتب القطاع العام وإيراداته؛ في كل حالة، يطمح الحوثيون إلى تحويل السيطرة العسكرية – والآن الضغط العسكري المتزايد – إلى سلطة سياسية واقتصادية، مع مقاومة الترتيبات التي من شأنها أن تجعلهم معتمدين على المؤسسات التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية؛ تخدم هجماتهم في باب المندب غرضًا سياسيًا أيضًا، فضلًا عن إظهار التضامن مع إيران؛ ورغم عجز الحوثيين عن إغلاق المضيق فعليًا، إلا أن بإمكانهم جعل الشحن المرتبط بالسعودية أكثر عرضة للخطر، ورفع أقساط التأمين، ودفع الشركات إلى البحث عن طرق بديلة، ما يزيد من تكاليف الوضع الراهن بالنسبة للسعودية، ويكسبها نفوذًا مع مخاطر ضئيلة للخسائر العسكرية.

فرصة الحكومة

وتنظر الحكومة اليمنية إلى المواجهة المتجددة من منظور مختلف تمامًا؛ فقد جمّدت أربع سنوات من الهدوء النسبي خطوط المواجهة دون استعادة سلطة الدولة أو تغيير موازين القوى بشكل جذري؛ ومن وجهة نظر الحكومة، استغل الحوثيون هذه الفترة لترسيخ حكمهم وتعزيز قدراتهم العسكرية؛ أما الحكومة نفسها، فقد ظلت منقسمة، عاجزة عن إنشاء قيادة عسكرية موحدة في المناطق التي تسيطر عليها اسميًا، وتعتمد بشكل متزايد على الدعم الخارجي، لا سيما بعد هجمات الحوثيين عام 2022 على منشآت النفط في حضرموت وشبوة، والتي حالت دون تصديرها للنفط؛ ترى الحكومة الآن فرصة لإعادة تشكيل الديناميكيات اليمنية لصالحها؛ وترى الحكومة أن لديها مبرراً لمواجهة الحوثيين بدلاً من البقاء عالقة في حالة من الجمود.

وتعتقد الحكومة أنها تمتلك عدة مزايا مهمة في ظل هذه الظروف الجديدة؛ وتتوقع أن تزيد السعودية دعمها السياسي والمالي والعسكري، مما يمكّن القوات الموالية لها من تكثيف الضغط على جبهات متعددة واستعادة الأراضي؛ وحتى الآن، ورغم أن هجماتهم كانت محسوبة، إلا أنهم استخدموا أسلحة أكثر تطوراً من الجولات القتالية السابقة، مما ألحق خسائر في صفوف الحوثيين؛ ففي الأسبوع الثاني من أغسطس وحده، أقامت الجماعة جنازات لأكثر من 60 مقاتلاً؛ وعادةً لا يُفصح الحوثيون عن أعداد الضحايا، لكن مصادر في صنعاء صرّحت لـ”مجموعة الأزمات الدولية” بأن معظم هؤلاء القتلى سقطوا بنيران القوات الحكومية؛ كما يعتقد مسؤولون حكوميون أن الحوثيين أكثر ضعفاً على الصعيد الداخلي مما كانوا عليه في السابق، نظراً لتفاقم الأوضاع الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم وتزايد السخط الشعبي من إجراءاتهم الأمنية القسرية؛ لهذه الأسباب، لا ترغب الحكومة في العودة إلى المفاوضات التي ترى أنها ستؤدي إلى ضياع مزاياها الجديدة؛ في محادثات مع مجموعة الأزمات الدولية، صرّح مسؤولون كبار بأن الضغط العسكري المستمر يُتيح فرصة أفضل لتحسين موقف الحكومة.

وإلى لقاء أخر باذن الله.


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

الخارجية المغربية تقدم توضيحات حول التطورات الأخيرة في العلاقات المغربية الإسبانية بعد أزمة مدينة سبتة

كتب عادل البكل قدمت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الافريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، في بيان أصدرته …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *