بعد مرور أربعة وسبعين عامًا، لا تزال ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ تشكل مادة خصبة للتحليل الفلسفي والسياسي، للوقوف على إشكالية ثنائية السلطة والحرية، والعدالة والشرعية.
استندت شرعية الحكم في مصر قبل عام ١٩٥٢ إلى إرث مَلكي دستوري، تداخلت فيه سيادة العائلة المالكة مع النفوذ الاستعماري البريطاني. وقد أحدثت الثورة قطيعة مع هذا المفهوم، لتنقل مصدر السلطة والشرعية إلى الإرادة الشعبية والدفاع عن مصالح الطبقات الكادحة.
لم تستمد الثورة مشروعيتها في مهدها من صناديق الاقتراع، بل استمدتها من شرعية الإنجاز ومبادئها الستة المعلنة، وفي طليعتها القضاء على الاستعمار والإقطاع.
وتُمثل ثورة يوليو النموذج التطبيقي الأبرز في المنطقة لتقديم العدالة الاجتماعية على الحرية السياسية بمفهومها الليبرالي. وانطلقت الفلسفة الناصرية من رؤية ترى أن حُرية رغيف الخبز هي المقدمة والضرورية عن حُرية صناديق الاقتراع؛ فالإنسان الواقع تحت وطأة الفقر والإقطاع لا يمتلك إرادة سياسية حرة.
هذا التوجه خلق معضلة فلسفية؛ إذ أدى التركيز على إعادة توزيع الثروة على الشعب (مثل قوانين الإصلاح الزراعي ومجانية التعليم والصحة وتكافؤ فرص العمل) إلى تقليص التعددية السياسية وتأميم الممارسة الحزبية. وهنا تبرز الجدلية الأزلية التي يعيشها المجتمع المصري: هل يمكن تحقيق عدالة اجتماعية حقيقية دون آليات ديمقراطية تحميها؟
وفي الوقت ذاته، نقلت هذه الثورة المواطن المصري من موقع التابع الذي يُصنع تاريخه في العواصم الغربية، إلى موقع الفاعل الذي يُسهم في تأسيس حركة عدم الانحياز، ويقود حركات التحرر في القارة الإفريقية والعالم الثالث.
خلاصة القول:
إنَّ ثورة يوليو تُمثل إرثًا ممتدًا يتجاوز كونها حدثًا تاريخيًّا انقضى؛ فهي عملية سياسية مستمرة تثير تساؤلات جوهرية حول ماهية الدولة المثالية في العالم العربي. وتجد المؤرخين والباحثين منقسمين حول هذه الإشكالية؛ فبينما يراها البعض انحرافًا عن المسار الديمقراطي وإرساءً لدعائم الحكم العسكري المطلق، يبررها آخرون بأنها كانت ضرورة تاريخية لفرض الإصلاحات الاجتماعية وحماية التحول الثوري ومواجهة التحديات الخارجية والاحتلال،
ولقد أثبتت التجربة أنَّ تغيير الأنظمة أيسر بكثير من بناء مؤسسات راسخة، ليظلَّ تأسيس الدولة العصرية هو التحدي الفلسفي والعملي الأكبر.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.










