منذ اكثر من قرنين عرفت الديمقراطية بوصفها أعظم ماتوصلت اليه البشرية فى ادارة شؤون الحكم حتى بدأ وكأنها نهاية التاريخ السياسى والنموذج الذى لا بديل له . لكن مايشهده العالم اليوم يدفعنا الى إعادة طرح سؤال جوهرى: هل الديمقراطية حقا هى أفضل نظام للحكم ؟ أم أنها مجرد أفضل ا ماهو متاح حتى الان؟
لقد تغير العالم كثيرا وأصبحت التجرية الديمقراطية نفسها تواجه اختبارات قاسية ففى الولايات المتحدة وهى الدولة التى طالما قدمت نفسها بإعتبارها قلعة الديمقراطية أفرزت صناديق الاقتراع حالة من الانقسام غير المسبوق وأعادت الى السلطة شخصية مثيرة للجدل بمايؤكد ان الديمقراطية لا تضمن دائما اختيار الافضل وإنما تعكس إرادة الأغلبية فى لحظة معينة بكل ماتحمله من انفعالات ومخاوف ومصالح
وفى أوروبا تعانى دول كبرى مثل فرنسا وبريطانيا من أزمات سياسية متكررة وحكومات قصيرة العمر وتحالفات هشه وصعوبة فى تنفيذ خطط استراتيجية طويلة المدى لآن كل حكومة تفكر فى الانتخابات المقبلة أكثر مما تفكر فى الاجيال القادمة وهكذا أصبحت السياسة فى كثير من الأحيان اسيرة استطلاعات الرأى لا أسيرة المصلحة الوطنية
وفى المقابل نرى دولا أخرى اعتمدت نماذج مختلفة استطاعت أن تحقق قدرا كبيرا من الاستقرار واستمرار السياسات لعقود وهو ماساعدها على تنفيذ مشروعات قومية كبرى وتحقيق معدلات نمو مرتفعة لكن هذا النموذج بدوره يطرح سؤالا أخر: ماذا يحدث إذا اخطأ الحاكم ؟ ومن يملك محاسبته أو تصحيح مساره ؟
الحقيقة التى يجب الاعتراف بها أن لا يوجد نظام حكم كامل فالديمقراطية ليست وصفة سحرية تضمن النجاح كما أن الحكم المركزى ليس ضمانا دائما للاستقراراو التنمية فلكل نظام مزاياه وعيوبه ولكل مجتمع ظروفه التاريخيه والثقافيه والاجتماعية التى تؤثر فى شكل الحكم المناسب له
ان قوة الدولة لا تقاس فقط بطريقة اختيار الحكام بل بقوة مؤسساتها واستقلال قضائها وكفاءة إدراتها واحترام القانون وقدرتها على وضع رؤية وطنية تستمر مهما تغيرت الحكومات فالدولة التى تبنى مؤسسات قوية تستطيع أن تنجح فى ظل أى نظام , بينما تفشل الدولة التى تعتمد على الاشخاص مهما كان أسم النظام الذى تتبناه
لذلك ربما لم يعد السؤال الصحيح هو هل الديمقراطية أفضل نظام للحكم؟ بل كيف نبنى نظاما يحقق التوازن بين الحرية والاستقرار وبين المشاركة الشعبية وكفاءة الإدارة وبين تداول السلطة واستمرار خطط التنمية ؟
ان البشرية لم تصل بعد الى نهاية فلسفة الحكم ومازالت تبحث عن صيغة التى تجمع بين الحرية والعدل والاستقرار والتنمية وربما يكون أعظم انجاز سياسى فى المستقبل ليس اختراع نظام جديد بل تطوير الانظمة القائمة لتصبح أكثر كفاءة وعدالة وشفافية وأكثر قدرة على خدمة الانسان لا مجرد التنافس على حكمه
فالحكم الرشيد لا يقاس بالشعارات بل بقدرته على تحقيق كرامة الإنسان وحماية حقوقه وبناء دولة قوية عادلة وقادرة على صناعة المستقبل .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










