b_halawany@hotmail.com
حاولت بعض القوى السياسية وخاصة إسرائيل توظيف بطولة كأس العالم فى كرة القدم والتى اختتمت منافساتها بفوز المنتخب الاسباني باللقب عن جدارة ؛ لتصفية حسابات سياسية مع إسبانيا الدولة الاوروبية القوية والجريئة التى أدانت بكل قوة- رسميا وشعبيا- العدوان الاسرائيلى على غزة وجنوب لبنان ورفضت كل الضغوط الأمريكية لتقديم أى دعم فى العدوان الامريكى الاسرائيلى على إيران وصمدت فى وجه التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات سياسية واقتصادية عليها.
لقد بدأ واضحا قبل بدء البطولة محاولة إقحام السياسة فى هذه البطولة التى استضافتها أمريكا والمكسيك وكندا حيث تعرض الفريق الايرانى لمضايقات وإجراءات مشددة .. لكن كان التوظيف السياسى كان فجا ومستفزا عندما استقبل مجرم الحرب الصهيونى نتنياهو بمكتبه السفير الارجنتينى فى تل أبيب قبل المبارة النهائية وأهداه قميص المنتخب الارجنتينى، وأعلن مجرم الحرب الصهيونى دعمه للأرجنتين ضد أسبانيا ..
لكن فى النهاية انتصرت اللعبة الشعبية الأولى فى العالم لنفسها وجماهيرها المحبة لها ومنحت كأس البطولة الأكبر فى العالم للفريق الذى لعب وأخلص وأجاد بعيدا عن التوجهات السياسية.
لقد رفضت كرة القدم وجماهيرها الغفيرة حول العالم أن تتحول تلك اللعبة التى تعشقها جماهير غفيرة لأداة لتصفية الحسابات السياسية وتوجيه الرسائل الدبلوماسية.. فقد شاهدنا كيف شجعت شعوب العالم وخاصة عالمنا العربى والاسلامى إسبانيا ودعمت فريقها بكل قوة واحتفت به بعد فوزه على المنتخب الارجنتينى المدلل والمدعوم من أمريكا والفيفا وإسرائيل منذ انطلاق المنافسة ولذلك ظلمت عدة منتخبات منافسة للارجنتين عندما انحاز لها الحكام واتخذوا مواقف غير شريفة لإخراج المنتخبات التى نافست الارجنتين بقوة وشرف وأبرزها المنتخب المصرى حيث حول الحكم الفرنسى النتيجة فى الدقائق الأخيرة للمباراة لصالح الارجنتين بأخطاء تحكيمية واضحة شهد بها حكام ومدربو كرة القدم فى العالم.
ولذلك استحق الفريق الاسبانى إشادة شعوب العالم المحبة للسلام لأنه أفشل كل المؤامرات وأبطل مفعول كل المراهنات التى وقفت فى ظهر المنتخب الارجنتينى لكى يفوز بالبطولة.. ففازت إسبانيا باللقب العالمى الكبير وهزمت الارجنتين ونتنياهو معا، وأمتعتنا بكرة قدم بين أقدام لاعبين شباب وحطمت الصنم الارجنتينى الذى توهم انصاره وداعميه أنه لا يقهر.
اللعبة الأكثر شعبية في العالم أثبتت مرة جديدة أنها أكبر من الحسابات السياسية، وأن الجماهير جاءت لتشاهد مهارة اللاعبين وروعة الأداء وقوة المنافسة، لا لتتابع صراع الحكومات أو خلافات السياسيين.
داخل الملعب لم تكن هناك بيانات سياسية، ولا خطابات دبلوماسية، ولا تحالفات عسكرية، وإنما كان هناك لاعبون يركضون بكل طاقتهم، ومدربون يخططون، وجماهير تهتف، وحكم يطبق القانون، وكرة لا تعترف إلا بمن يستحق.
ولهذا جاءت النتيجة انعكاسا طبيعيا لما حدث فوق أرض الملعب، وليس لما جرى في قاعات السياسة أو مكاتب المتآمرين.
فالمنتخب الذي فاز بالكأس لم ينتصر لأنه يحظى بدعم هذه الدولة أو تلك، وإنما لأنه كان الأكثر التزاما وانضباطا وقدرة على استغلال الفرص، ولأنه قدم كرة قدم أقنعت الجماهير قبل أن تقنع الخبراء.. وهذه هي القيمة الحقيقية للرياضة.
فالرياضة لا تسأل اللاعب عن موقف حكومته، ولا عن توجهاته السياسية، ولا عن علاقات بلاده الدولية، وإنما تسأله سؤالا واحدا: ماذا قدم داخل الملعب؟
على امتداد التاريخ، حاولت السياسة مرارا أن تستغل الرياضة.. استخدمت البطولات العالمية في الدعاية، واستثمرت الانتصارات في تعزيز شعبية الحكومات، كما تحولت بعض المنافسات إلى ساحات للرسائل السياسية والمقاطعات والاحتجاجات.. ومع ذلك، بقيت الرياضة تمتلك قدرة استثنائية على مقاومة هذا التسييس، لأنها في جوهرها قائمة على المنافسة العادلة واحترام القواعد وتكافؤ الفرص.
الجماهير التي ملأت الملاعب أو تابعت المباريات عبر الشاشات لم تكن تنتظر انتصار موقف سياسي، وإنما كانت تنتظر مبارايات تليق بقيمة كأس العالم، وتشاهد مهارات وإبداعا وأهدافا تحفظها الذاكرة لسنوات طويلة.
ولذلك احتفل المشجعون بالفائز لأنه استحق، وقاتل حتى النهاية، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى.
هذه البطولة حملت رسالة مهمة إلى العالم، مفادها أن الشعوب تستطيع أن تختلف سياسيا، لكن الرياضة تظل واحدة من المساحات القليلة التي تجمع البشر حول قيم مشتركة، مثل التنافس الشريف، واحترام الخصم، والالتزام بالقانون، وتقدير الموهبة.
ومن هنا فإن حماية الرياضة من الاستقطاب السياسي أصبحت ضرورة، لأن كرة القدم حين تتحول إلى أداة للصراع تفقد جزءا من رسالتها الإنسانية، أما حين تبقى لعبة تجمع الشعوب فإنها تصبح لغة عالمية يفهمها الجميع.
لقد انتهت البطولة، واحتفظ التاريخ باسم البطل، لكنه احتفظ أيضا بصورة أخرى أكثر أهمية، وهي أن محاولات توظيف السياسة لم تنجح في تغيير حقيقة بسيطة وواضحة: الكأس لا تمنحها الحكومات، ولا يحسمها السياسيون، ولا تقررها التصريحات الدبلوماسية.. إنها تذهب دائما إلى الفريق الذي لعب أفضل، وأخلص أكثر، واستحق الفوز فوق أرض الملعب.
وهكذا انتصرت الرياضة على السياسة، وانتصر الأداء على الشعارات، وبقيت كرة القدم، كما كانت دائما، اللعبة التي توحد الشعوب أكثر مما تفرقها، وتؤكد أن المستطيل الأخضر يظل المكان الوحيد الذي لا يعترف إلا بالجهد والموهبة والاستحقاق.
عظمة الرياضة إنها لا تمنح الانتصار لأصحاب الشعارات، وإنما لأصحاب الأداء. لا تكافئ الخطب السياسية، وإنما تكافئ العمل الجاد. ولا تنظر إلى مواقف الحكومات، وإنما إلى ما يقدمه اللاعبون خلال تسعين دقيقة من الكفاح والإبداع.
ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل أن جماهير كرة القدم في مختلف أنحاء العالم كانت أكثر وعيا من كثير من السياسيين. فقد انشغلت بالمتعة الكروية، وبجمال الأداء، وبروح المنافسة، ولم تسمح للخلافات السياسية أن تفسد عليها فرحة البطولة.
لقد نجحت الجماهير فى أن تبقى كرة القدم كما عرفتها دائما.. مساحة للمتعة، وجسرا للتواصل بين الشعوب، ولغة عالمية لا تحتاج إلى مترجم.
تستطيع السياسة أن تستغل صورة لاعب، أو قميص منتخب، أو منصة بطولة… لكنها لن تستطيع أبدا أن تسجل هدفا، أو تتصدى لركلة جزاء، أو ترفع كأس العالم.. فهذه المهمة لا يؤديها إلا أصحاب الموهبة، ومن أجلهم خلقت










