لم تعد أزمة الثانوية العامة مجرد قضية امتحانات تعقد لبضعة اسابيع كل عام بل أصبحت قضية أمن قومى لآن ما يحدث داخل لجان الامتحانات اليوم يحدد من سيكون طبيب الغد ومهندس المستقبل والقاضى والمعلم والصيدلى وكل من سيتولى مسؤولية حياة الناس وتنمية الوطن
لقد تطورت وسائل الغش بصورة غير مسبوقة حتى اصبحت سماعات البلوتوث الدقيقة تجارة رائجة تنتشر فى الاسواق وعبر مواقع التواصل الاجتماعى وتحولت الى صناعة تدر ارباحا طائلة على حساب مستقبل أمة بإكملها . والآكثر خطورة ان بعض أولياء الأمور اصبحوا شركاء فى هذه الجريمة بشرائهم تلك السماعات لآبنائهم وكأن النجاح يمكن شراؤه بالمال متناسين أن النجاح المزيف قد يمنح شهادة لكنه لايصنع كفاءة ولا يبنى وطنا .
وزادت المشكلة مع اعتماد نسبة كبيرة من الامتحانات على نظام الاختبار من متعدد”BubbleSheet” الذى يعتمد على تظليل دوائر الإجابة ورغم أن لهذا النظام مزايا فى سرعة التصحيح وتقليل الاخطاء البشرية فإن الاعتماد عليه بصورة كبيرة قد يجعل نقل الإجابات أو تلقيها أسهل أذا لم تصاحبه إجراءات رقابية وتقويمية قوية مقارنة بالأسئلة المقالية التى تقيس الفهم والتحليل والقدرة على التعبير. وهى المهارات التى تميز الطالب المجتهد عن غيره .
إن أخطر ما فى الغش أنه لا يسرق حق طالب مجتهد فقط بل يفتح الطريق أمام غير المؤهلين للوصول الى كليات القمة ثم الى مواقع تمس حياة المواطنين واقتصاد الدولة فطبيب لا يستحق شهادته يخطىء فى تشخيص مريض ومهندس غير كفء قد يخطىء فى تصميم مبنى ومعلم ضعيف قد يخرج اجيالا أضعف منه وهنا لا تصبح القضية قضية امتحان بل قضية مستقبل وطن بأكمله.
والأدهى من ذلك ان بعض الطلاب اصبحوا يدخلون اللجان مطمئنين الى وسائل الغش حتى تردد أن بعضهم كان يتابع مباريات كرة القدم اثناء الامتحانات اعتمادا على سماعات البلوتوث وكأن الامتحان تحول الى اجراء شكلى لا قيمة له.فى مشهد يعكس حجم الأزمة التى تواجه منظومة التعليم .
ولا تقل خطورة تجارة سماعات الغش عن تجارة المخدرات فى أثرها على المجتمع فهى تجارة تفسد العقول وتقتل قيمة العلم ويقوم بعض معدومى الضمير بإخفاء السماعات داخل الاذن بطرق بالغة الخطورة لتحقيق ارباح سريعة دون أى اعتبار للقانون أو للأخلاق أو لسلامة الطلاب .
إن مواجهة هذه الظاهرة يتطلب رؤية شاملة تبدأ بإعادة التوازن بين الاسئلة المقالية وأسئلة الاختبار من متعدد بحيث تقيس الامتحانات الفهم الحقيقى لا مجرد القدرة على اختيار الاجابة الصحيحة مع استخدام الوسائل التقنية والقانونية المناسبة للحد من الغش الالكترونى داخل اللجان وملاحقة شبكات بيع سماعات الغش ومروجى تسريب الامتحانات بكل حزم
كما يجب مراجعة اللجان التى تتكرر فيها وقائع الغش ونقلها أو إعادة تنظيمها عند ثبوت وجود مخلفات وتوفير حماية كاملة للمراقبين حتى يؤدوا واجبهم دون تهديد أو ترهيب مع تحسين بدلات ومكافأت المعلمين المشاركين فى أعمال الامتحانات تقديرا لدورهم الوطنى.
ان معركة التعليم ليست معركة وزارة وحدها بل معركة وطن بأكمله فالدول لاتنهض بالمبانى الحديثة ولا بالشهادات المزيفة وإنما تنهض بعقول تعلمت بصدق ونجحت بعرقها واستحقت مواقعها بكفاءتها .
أن أخطر ما يمكن ان نفعله بأى وطن هو أن نجعل الغش طريقا الى القمة لآن من يغش فى لجنة الامتحانات اليوم قد يكون غدا طبيبا يعبث بأرواح المرضى أو مهندسا يهدد سلامة المنشأت أو مسؤولا يتخذ قرارات تمس مستقبل الملايين وعندها لن يدفع الثمن الطالب وحده بل سيدفعه الوطن كله وستدفعه أجيال لم ترتكب ذنبا سوى أنها وثقت فى اصحاب شهادات لم يستحقوها .
كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالإستئناف العالى ومجلس الدولة










