كتب – عادل ابراهيم
اتجهت السياسات التجارية بين مصر والولايات المتحدة في مسارين متعاكسين خلال الأسبوع الماضي؛ ففي الوقت الذي رفعت فيه واشنطن الرسوم الجمركية المفروضة على معظم السلع المصرية إلى فئة أعلى تبلغ 12.5%، فتحت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية مسارا أسهل لدخول السيارات الأمريكية الصنع إلى السوق المحلية.
أصبحت السلع المصرية التي تصل إلى الأسواق الأمريكية، المشمولة ضمن نتائج تحقيق يندرج تحت المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، خاضعة لرسوم جمركية بنسبة 12.5% — وهي النسبة الأعلى بين فئتين ضمن نظام أمريكي جديد لمكافحة العمل القسري يشمل 60 شريكا تجاريا — وذلك بعد انتهاء سريان الرسم الإضافي المؤقت الذي فرضه ترامب بنسبة 10% على الواردات العالمية يوم الجمعة الماضي، وفق إشعار (بي دي إف) من مكتب الممثل التجاري الأمريكي نُشر في السجل الفيدرالي مؤخرا. وقد بدأ سريان الرسم الجديد المتعلق بالمادة 301 على السلع المصرية الموجهة للاستهلاك بدءا من الساعة 12:01 صباحا بالتوقيت الشرقي للولايات المتحدة يوم 24 يوليو، مع استثناء مخصص للسلع التي شُحنت وكانت قيد النقل قبل ذلك التاريخ وتدخل البلاد قبل 28 يوليو. ويحل هذا الرسم محل الرسم المؤقت الذي استمر 150 يوما وانتهى سريانه، مما يعني رفع الرسوم الجمركية الشاملة على السلع المصرية المشمولة بمقدار 2.5 نقطة مئوية.
ما تعنيه المادة 301:
——————–
بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، يُمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة لفرض رسوم جمركية على السلع الأجنبية ردا على الممارسات التجارية التي تُصنف بأنها غير عادلة أو تستوجب اتخاذ إجراءات. وقد فسر مكتب الممثل التجاري الأمريكي تلك المادة لتشمل عدم التطبيق الكافي لحظر استيراد المنتجات القائمة على العمل القسري.
مصر ضمن الفئة الأعلى رسوما:
——————————-
وضعت الولايات المتحدة مصر ضمن الفئة الأعلى بين المستويين المحددين، وهي الفئة المخصصة للاقتصادات التي لم تفرض حظرا على استيراد المنتجات القائمة على العمل القسري ولم تتعهد بذلك، في حين خُصصت فئة الـ 10% للدول التي تطبق حظرا شاملا أو جزئيا أو الملتزمة باتفاقيات تجارية متبادلة. ولم يذكر الإشعار أن الصادرات المصرية صُنعت باستخدام العمل القسري، بل أوضح أن التحقيق حلل ما إذا كانت الاقتصادات الـ 60 المشمولة بالمراجعة تمتلك ضوابط الاستيراد اللازمة لمنع دخول السلع القائمة على العمل القسري إلى أسواقها، مشيرا إلى أن المادة 301 تتيح لواشنطن فرض الرسوم الجمركية “بغض النظر عما إذا كانت” السلع منخرطة بشكل مباشر في الممارسة الخاضعة للتحقيق أم لا.
رسوم واسعة النطاق.. باستثناء ما تحتاجه واشنطن:
————————————————–
يستثني القرار الجديد فئات من المنتجات التي قد يؤدي فرض الرسوم عليها إلى “حدوث اضطراب واسع النطاق في الاقتصاد”، وبعض المنتجات “التي لا يمكن زراعتها أو إنتاجها بكميات كافية أو بأسعار معقولة” محليا أو تدبيرها من مصادر أخرى، إلى جانب المواد الخام “التي قد يؤدي خضوعها لهذه الرسوم إلى نقص المعروض المحلي منها”. وتذكر وكالة رويترز أن النفط والغاز والأسمدة وبعض المواد الغذائية والطائرات وقطع غيارها والمعادن الحيوية، وأيضا السلع الخاضعة بالفعل لرسوم المادة 232 المتعلقة بالأمن القومي (مثل السيارات والصلب والألومنيوم والنحاس) تأتي في طليعة المنتجات المستثناة.
تظل درجة تأثر مصر محدودة، لكنها ليست هامشية؛ إذ أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي استيراد الولايات المتحدة سلع بقيمة 1.4 مليار دولار من مصر خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، في مقابل تصدير سلع بقيمة 5.1 مليار دولار إليها، ما منح واشنطن فائضا تجاريا في السلع بقيمة 3.7 مليار دولار. ولذا فإن أرقام التجارة الثنائية لا تشير إلى وجود عجز تجاري بالنسبة للولايات المتحدة. وبدلا من ربط الإجراء بعجز الميزان التجاري الأمريكي مع مصر، يصور إشعار مكتب الممثل التجاري الأمريكي هذه الرسوم على أنها أداة تستهدف “تشجيع الاقتصادات التي خضعت للرسوم الجديدة بموجب التحقيق، على فرض حظر على واردات العمل القسري وتطبيقه بفعالية، والقضاء على” الممارسات التي تراها واشنطن مستوجبة لاتخاذ إجراءات بشأنها.
تذكر:
———
منحت الرسوم الجمركية القديمة البالغة 10% مصر ميزة نسبية؛ إذ أشارت نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية في العام الماضي إلى أن الجولة الأولى من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب كانت ذات تأثير محدود، وهو ما رسخ مكانة البلاد بوصفها قاعدة تصنيعية بديلة للشركات الساعية لدخول السوق الأمريكية. وتزامن ذلك مع تصريحات رئيس المجلس التصديري للملابس الجاهزة فاضل مرزوق آنذاك، بأن القطاع يمكنه جذب استثمارات جديدة بنحو ملياري دولار. وانعكست هذه الميزة التنافسية مباشرة على صادرات المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز)، التي بلغت قيمتها 1.45 مليار دولار في عام 2025، في حين تستهدف الحكومة الوصول بها إلى ملياري دولار خلال العام الجاري. كما صبت هذه المزية في صالح مصدري المنسوجات، فحينها بدت نسبة الـ 10% المطبقة على مصر جاذبة مقارنة برسوم تبلغ 20% أو أكثر على بعض القواعد التصنيعية المنافسة.
محادثات الكويز تكتسب أهمية متزايدة:
————————————–
كانت صادرات المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) من أبرز المنافذ المتاحة أمام مصر في ظل النظام الجمركي السابق، وتزامن ذلك مع مساعي الحكومة لتوسيع قاعدة المشاركة في هذه الاتفاقية وفتح محادثات لخفض نسبة المكون الإسرائيلي المطلوبة، البالغة حاليا 10.5%، لتتراوح بين 5% و8%. ويبدو أن هذه المحادثات ما زالت جارية، إذ صرح رئيس غرفة التجارة الأمريكية بمصر عمرو مهنا لموقع مصراوي في وقت سابق من هذا الشهر، بأن المفاوضات الحالية تركز على خفض نسبة المكون الإسرائيلي إلى 8% وتوسيع النطاق الجغرافي للاتفاقية. وأوضح إشعار مكتب الممثل التجاري الأمريكي أن السلع المؤهلة لمعاملة جمركية تفضيلية ستظل خاضعة للرسوم الإضافية الجديدة ما لم تُستثنى صراحة، ما قد يعني تقلص الميزة الجمركية التي تمتع بها مصدرو الكويز بموجب التعريفة الجمركية السابقة في عهد ترامب.
القاهرة تتخذ مسارا معاكسا بشأن السلع الأمريكية:
————————————————-
أصبح أمام السيارات الأمريكية الصنع المطابقة لمعايير السلامة الفيدرالية الأمريكية مسارا أوضح لدخول السوق المصرية، وفق بيان أصدرته وزارة الاستثمار عقب زيارة الوزير محمد فريد لمصنع جنرال موتورز مصر في مدينة السادس من أكتوبر. وفتحت الحكومة السوق المحلية أمام السيارات المطابقة لمعايير السلامة الفيدرالية الأمريكية للمركبات الآلية، وهي قواعد سلامة أمريكية تصدرها الإدارة الوطنية للسلامة المرورية على الطرق السريعة وتحدد الحد الأدنى من متطلبات أداء السلامة للمركبات ومكوناتها.
يزيل هذا عقبة طالما سعت واشنطن لتذليلها:
———————————————
أشار تقرير التقدير الوطني للتجارة لعام 2026 الصادر عن مكتب الممثل التجاري الأمريكي إلى أن مصر “استكملت خطوات مهمة” نحو قبول معايير السلامة الفيدرالية للمركبات الآلية، مما يعني اقترابها من “إزالة عقبة كبيرة أمام تصدير السيارات الأمريكية وقطع غيارها إلى مصر”. وأضاف التقرير أن مصر ستسمح باستخدام بعض معايير ومتطلبات السيارات الأمريكية، بما في ذلك معايير السلامة الفيدرالية، لإثبات الامتثال لمتطلبات السيارات المعمول بها في مصر، رغم أنها لا تزال بحاجة إلى تحديث قواعد اعتماد قطع غيار السيارات.
الواردات تكتسب زخما بالفعل:
—————————–
ارتفعت واردات سيارات الركوب بنسبة 10% على أساس سنوي لتصل إلى 1.68 مليار دولار في النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 1.53 مليار دولار في العام السابق، وفقا لما نقله موقع العربية عن بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات. ومثلت سيارات الركوب نحو 3.5% من واردات مصر غير البترولية خلال تلك الفترة. وتجاوزت صادرات السيارات الأمريكية إلى مصر 256 مليون دولار العام الماضي، وفقا لما نقله البيان عن مساعد وزير التجارة الأمريكي لشؤون الصناعة والتحليل ستيفن هاينز.
وجهة نظر نشرة “إنتربرايز ” الاقتصادية:
—————————————
تعكس هاتان الخطوتان حالة التباين في المشهد التجاري بين مصر والولايات المتحدة حاليا. فمن جانبها، ترفع واشنطن تكلفة وصول المنتجات المصرية إلى سوقها استنادا إلى ضوابط استيراد تتعلق بالعمل القسري، وفي المقابل تزيل القاهرة عقبة معيارية أمام فئة من الصادرات الأمريكية تشهد تعافيا في الطلب بالفعل. صحيح أن الرسوم الجديدة لا تغلق السوق الأمريكية في وجه المصدرين المصريين، لكنها تضعف إحدى أبرز المزايا التنافسية لمصر بينما يسعى المصنعون والحكومة لترسيخ مكانة البلاد بوصفها قاعدة إنتاجية منخفضة الرسوم الجمركية. كما تسلط هذه الخطوة الضوء على الانتقائية التي يتسم بها النظام التجاري الأمريكي الجديد؛ إذ يستخدم ترامب قواعد مكافحة العمل القسري لرفع تكلفة دخول الأسواق، بينما يحمي المنتجات التي تشتد حاجة الولايات المتحدة إليها من الضغوط ذاتها.










