بمناسبة حركة وزارة الداخلية، وما صاحبها من إحالات إلى المعاش، وتجديد الثقة في البعض، وتصعيد آخرين، تذكرت قصة رواها لي أحد أصدقاء والدي.
قال إنه في عام 2010 أُحيل أحد اللواءات إلى المعاش، وكان شديد الحزن لأنه لم يكن يرغب في مغادرة منصبه. سعى بكل ما يستطيع للعودة إلى الخدمة، وبالفعل عاد وتولى منصبًا رفيعًا مساعدًا لوزير الداخلية لقطاع مصلحة السجون، وفرح بذلك فرحًا كبيرًا. لكن بعد أشهر قليلة اندلعت أحداث ثورة يناير، واستشهد خلال أحداث اقتحام السجون.
حينها أدركت معنى عظيمًا؛ فقد يرى الإنسان أن الخير فيما يتمناه، بينما يكون الخير الحقيقي فيما اختاره الله له. وربما كانت إحالته إلى المعاش رحمةً من الله، لكنه أصر على العودة، فكان أجله فيما سعى إليه.
هكذا هي الدنيا… ليست كل ترقية نعمة، وليست كل مغادرة خسارة. فكم من إنسان صعد إلى منصب كان بداية هلاكه، وكم من آخر غادر منصبًا فكانت نجاته. وكم من شخص وُضع في موقع مسؤولية فكان المنصب اختبارًا لعدله وأمانته، فنجح فربح دنياه وآخرته، أو ظلم وتجبر فخسرهما معًا.
المناصب لا تدوم، والكراسي لا تبقى لأحد. المكان ثابت، أما الأشخاص فيتعاقبون عليه، وهذا هو حال الدنيا؛ لا شيء فيها دائم، ولا ملك يبقى، ولا سلطان يدوم.
لذلك، إلى كل من نال منصبًا جديدًا: تذكر أن المنصب ليس تشريفًا بقدر ما هو تكليف، وأنه أمانة ستُسأل عنها أمام الله قبل أن تُحاسب عليها أمام الناس. فاجعل العدل منهجك، والحق طريقك، ولا تجعل السلطة سببًا في ظلم الناس أو التكبر عليهم.
وإلى كل من غادر منصبه: عندما تغادر مكانك، ستكتشف الحقيقة كاملة؛ ستعرف من أحبك لشخصك، ومن كان قريبًا منك لمنصبك، وسترى أن أصحاب المصالح يرحلون برحيل المصالح، بينما يبقى أصحاب الوفاء أوفياء مهما تغيرت المواقع.
فيه ناس بتروح مكان عالي ويكون بداية هلاكها وناس بتمشي من مكان قبل الهلاك وناس بتصعد لمكان اختبار لتنجح فيه لتخسر دنيا وآخرة وفيه ناس بتمسك منصب بتتغير وتخسر دنيا وآخرة وناس بتمشي من مكان فالدنيا تتشال من قلبه وفيه ناس بتروح مكان بتظلم فبيكون المكان شر لها
كلها تدابير ربنا المكان ثابت وناس بتروح وتيجي عليه وده حال الدنيا مش باقية لحد ومفيش مكان دائم ولا شيء دائم في دنيا مؤقتة
فاللي اتصعد لأي منصب افتكر انه اختبار هتظلم ولا هتعدل افتكر ان المنصب امانة لتكون بداية هلاكك لنجاتك افتكر ان قبلك كان حد ومشي واللي مشي هتعرف اللي باقي سيرتك وهتعرف اللمة الكذابة وهتعرف مين كان معاك علشانك ومين كان معاك علشان منصبك هتعرف لو كنت عادل وحقاني الناس مش هتتغير معاك ولو كنت ظالم وفاسد محدش هيعبرك ويمكن الناس تفرح فيك
وفي النهاية، لا يبقى إلا العمل الصالح، ولا تدوم إلا السمعة الطيبة، ولا ينفع الإنسان إلا عدله وإحسانه.
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾،
﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.










