نعم، انخفاض أسعار النفط قد يحسن الأوضاع الاقتصادية في بعض الدول، لكنه قد يضر بدول أخرى. ويعتمد ذلك على ما إذا كانت الدولة مستوردة للنفط أم مصدرة له. يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى تراجع الإيرادات العامة وعجز الموازنات في الدول العربية المصدرة للنفط، بينما يفيد الدول العربية المستوردة مثل مصر عبر خفض فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغوط التضخمية وتكلفة الإنتاج
بالنسبة لمصر، وهي دولة تستورد جزءًا من احتياجاتها من النفط والمنتجات البترولية، فإن انخفاض الأسعار العالمية يمكن أن يحقق عدة فوائد، منها:
خفض فاتورة استيراد النفط، مما يقلل الضغط على النقد الأجنبي.
تقليل تكلفة الإنتاج والنقل، وهو ما قد يساعد على خفض أسعار بعض السلع والخدمات.
تخفيف العبء على الموازنة العامة إذا انخفضت تكلفة دعم الطاقة.
تحسين ميزان المدفوعات إذا تراجعت قيمة الواردات النفطية.
لكن هناك أيضًا بعض الآثار السلبية المحتملة، مثل:
انخفاض إيرادات الدول العربية المصدرة للنفط، مما قد يقلل استثماراتها في مصر.
تراجع تحويلات بعض العاملين بالخارج إذا تأثرت اقتصادات دول الخليج بانخفاض الإيرادات النفطية لفترة طويلة. أنه رغم هذه الزيادة المتوقعة، فإن مصر ستظل تحتاج إلى شراء المزيد من الغاز الطبيعي الوارد من الآبار الإسرائيلية، لمواجهة الزيادة في الاستهلاك المحلي للمحروقات، وتشغيل مصنعي تسييل الغاز بمدينتي إدكو ودمياط شمال الدلتا، اللذين يتعرضان للتوقف التام، مع تراجع إنتاج الآبار المصرية.
يُشير العديد من الخبراء إلى أن أبرز الآثار الإيجابية لتراجع أسعار النفط عالميًّا على اقتصاديات الدول غير النفطية في الشرق الأوسط تتمثل في تحسن موازناتها المالية العامة، ومعاملاتها الجارية “نسبيًّا”؛ نتيجة تقليل تكلفة دعم منتجات الطاقة، وخفض فاتورة الواردات الطاقوية من الخارج؛ وبالتالي تحسن معدلات التضخم والنمو والفقر، فضلا عن تخفيف الضغط على سعر الصرف وزيادة احتياطيات النقد الأجنبي.
كانت الآثار، سواء السلبية أو الإيجابية، ملحوظة بدرجة كبيرة في مصر التي تعد من أكبر اقتصاديات الدول غير النفطية في الشرق الأوسط. فمن جهة، استفادت الحكومة المصرية من تراجع أسعار النفط العالمية، حيث قللت من الميزانية الموجهة إلى دعم المنتجات النفطية خلال العام المالي 2015 – 2016 بنسبة 28 في المائة عن العام المالي الأسبق لتصل إلى 51 مليار جنيه فقط. كما قدرت وزارة المالية دعم المنتجات النفطية في العام المالي الحالي 2016 – 2017 بحوالي 35 مليار جنيه، أي بخفض نسبته 45 في المائة تقريبًا مقارنة بالعام الماضي.
وفي مقابل هذه الآثار الإيجابية على الاقتصاد المصري من جراء تراجع أسعار النفط عالميًّا، كانت هناك العديد من الآثار السلبية. فمن جهة، تراجعت قدرة الاقتصاد المصري على توفير العملة الصعبة، إذ لا تزال صادرات النفط الخام تمثل نحو ٤٠ في المائة من إجمالي الصادرات المصرية. ومن جهة ثانية، كشف تقرير لمؤسسة سيلنتل المتخصصة في تحليلات الملاحة البحرية، أن انخفاض أسعار النفط سيسمح لسفن الشحن بتجنب رسوم العبور لقناة السويس، وذلك باتخاذ الطريق الأطول حول إفريقيا بدلا من القناة.
وخلص التقرير إلى أن انخفاض أسعار الوقود يعني أن السفن يمكنها تحمل تكلفة اتخاذ الطريق الأطول، مشيرًا إلى أن استخدام طريق جنوب إفريقيا سيوفر 235 ألف دولار لكل رحلة بحرية. وأضاف أنه إذا رغبت مصر في تغيير اقتصاد اختيارات المسارات، فإن قناة السويس تحتاج إلى خفض رسوم العبور بنسبة 50 في المائة تقريبًا، رغم أن الحكومة المصرية أنفقت مؤخرًا نحو 8 مليارات دولار من أجل توسيعها.
ومن جهة ثالثة، يتخوف عدد من المراقبين من التداعيات السلبية لانخفاض أسعار النفط عالميًّا على اقتصاديات الدول الخليجية النفطية الرئيسية، وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت، وهي الدول الأكثر أهمية في مساعدة مصر اقتصاديًّا منذ ثورة 30 يونيو 2013. حيث يشير هؤلاء إلى أن موازنات هذه الدول قد تتعرض لهزة عنيفة في المدى المتوسط والطويل نتيجة تراجع إيراداتها من تصدير النفط للخارج، ما سيجعلها أقل قدرة على الاستمرار في تقديم الدعم الاقتصادي لمصر في المستقبل، وقد يكون قرار شركة أرامكو السعودية في بداية شهر أكتوبر الماضي إلى يومنا هذا بالتوقف عن إمداد مصر بالمنتجات النفطية مؤشرًا دالًّا على ذلك.
وبالإضافة إلى ذلك، يرى بعض الخبراء أيضًا زيادة إمكانية تراجع الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة القادمة إلى مصر من الدول العربية النفطية، وخصوصًا من السعودية، في المدى المتوسط. وكانت الرياض قد أبلغت القاهرة مؤخرًا بأن بعض الاستثمارات الحكومية السعودية سوف تُلغى ضمن خطة ترشيد النفقات المالية التي وضعتها المملكة مؤخرًا لتقليص عجز الموازنة لديها. كما أجّلت السعودية تنفيذ مشاريع أخرى في مصر، ومنها مشروعات استثمارية عملاقة على سواحل البحر الأحمر.
وفيما يخص تحويلات المصريين العاملين بالدول العربية النفطية، من المتوقع، وفقًا لعدد من المراقبين أن تضطر هذه الدول مع تراجع أسعار النفط عالميًّا إلى اتخاذ إجراءات تقشفية قد تؤثر سلبًا على أوضاع العمالة المصرية بها، وبالتبعية سيوثر ذلك على حجم تحويلاتهم إلى مصر، والتي تمثل ثاني أهم موارد النقد الأجنبي بعد الصادرات، وهذا التأثير السلبي سيمتد، بالضرورة، لعائد الخدمات المصرفية بالبنوك المصرية وكذلك لمنتجات التجزئة المصرفية، خاصة قروض شراء الشقق والمحلات والسيارات.
بيد أن أهم الآثار السلبية المحتملة على اقتصاديات الدول غير النفطية في الشرق الأوسط، إذا ما استمرت أسعار النفط في الانخفاض لفترة طويلة، يقدرها الخبراء بين ثلاث وخمس سنوات، والتي تتمثل في: تراجع الاستثمارات، والسياحة، وتحويلات المغتربين في الدول المنتجة للنفط، وانخفاض المساعدات والقروض المقدمة من الدول النفطية للدول غير النفطية.
انخفاض إيرادات صادرات الغاز أو النفط إذا انخفضت الأسعار العالمية بشكل كبير.
ففي عالم الاقتصاد، قد يكون ارتفاع سعر برميل النفط عشرات الدولارات على الشاشات، لكنه قد يتحول إلى مليارات الجنيهات داخل الموازنة العامة للدولة. فالخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع سعر النفط ليوم أو أسبوع، وإنما في استقراره عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، لأن ذلك يحول الصدمة المؤقتة إلى ضغط مستمر على الموازنة والتضخم والنمو الاقتصادي.
ومن هنا، تصبح مرونة السياسة المالية، وتنويع مصادر الطاقة، وتحسين كفاءة الإنفاق، أدوات رئيسية للحد من أثر تقلبات أسواق النفط على الاقتصاد المصري.
لذلك، فإن انخفاض أسعار النفط ليس ضمانًا لتحسن الاقتصاد بمفرده، بل يعتمد أيضًا على السياسات الاقتصادية، ومعدلات التضخم، وسعر الصرف، وحجم الاستثمار والإنتاج المحلي. إن تراجع أسعار النفط عالميًّا كان لها كثير من الآثار الإيجابية والسلبية، والتي اختلفت من دولة عربية إلى أخرى باختلاف طبيعة اقتصادها، ودرجة اعتماد هذا الاقتصاد على الهبات من الدول الخليجية المنتجة للنفط. ويوضح الجدول التالي مجمل تأثيرات الحفاض أسعار النفط سلبيًّا وإيجابيًّا على اقتصاديات الدول العربية غير المنتجة للنفط. بيد أن أهم الآثار السلبية المحتملة على اقتصاديات الدول غير النفطية في الشرق الأوسط، إذا ما استمرت أسعار النفط في الانخفاض لفترة طويلة، يقدرها الخبراء بين ثلاث وخمس سنوات، والتي تتمثل في: تراجع الاستثمارات، والسياحة، وتحويلات المغتربين في الدول المنتجة للنفط، وانخفاض المساعدات والقروض المقدمة من الدول النفطية للدول غير النفطية.
وبالنسبة لمصر، فإن الانخفاض المعتدل والمستقر في أسعار النفط يكون غالبًا إيجابيًا أكثر من كونه سلبيًا، خاصة إذا استُثمر في خفض عجز الموازنة ودعم النشاط الاقتصادي.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










