قصة قصيرة
كانوا يقولون إن بعض البشر يشبهون المطر؛ يمرون خفيفين، لكنهم يتركون في الأرض أثرًا لا تمحوه الفصول. وكانت هي من أولئك الذين لا يعرفون أنهم يضيئون حياة الآخرين. لها نفسٌ ناعمة، من تلك النفوس التي ترش عطرها في جو السماء دون قصد، فتتهافت إليها الأرواح المتعبة كما تتهافت الطيور العائدة من سفرٍ طويل نحو شجرةٍ آمنة. كانت تمنح دفئها للجميع ثم تمضي، لا تنتظر شكرًا، ولا تلتفت إلى أثرها في القلوب، كأنها تعلم أن الأشياء الحقيقية لا تحتاج إلى إعلان.
وفي يومٍ جاءها رجل. لم يكن مختلفًا عن غيره في الظاهر، لكن التعب كان ظاهرًا في عينيه. كان يحمل على كتفيه مسافاتٍ طويلة من الخيبات، ويمشي بقلبٍ أضاع الطريق إلى نفسه. اقترب منها كما يقترب غريقٌ من ضوءٍ بعيد، لا يملك يقين النجاة، لكنه يتمسك بالأمل الأخير. وحين تحدث إليها، شعرت أنه لا يبحث عنها بقدر ما يبحث عن بيتٍ ضاع منه منذ سنوات. فأحنت قلبها عليه، وألانت حروفها، وتركت له بابًا مفتوحًا في روحها ليستريح قليلًا.
ومع الأيام هدأت روحه، واستعاد شيئًا من طمأنينته القديمة، وأخذ يبتسم أكثر، ويخاف أقل، ويصدق أن الحياة ما زالت قادرة على منح الإنسان فرصةً أخرى. أما هي فكانت تراقبه بصمت، وتفرح لتحسن حاله، وفي الوقت نفسه تشعر بخوفٍ خفي يتسلل إلى أعماقها. كانت تعرف أن الأرواح الجميلة لا تُؤذى دائمًا بالقسوة، فأحيانًا يؤذيها الاقتراب أكثر، وأحيانًا يفسد الامتلاك ما صنعته المحبة.
وفي مساءٍ هادئ جلس أمامها يتحدث عن الغد، عن الأيام القادمة، وعن الأحلام التي يريد أن يبنيها، بينما كانت تنظر إليه بعينين ممتلئتين بحنانٍ حزين. وحين انتهى من حديثه، ابتسمت. ثم فتحت له الأبواب كلها، الأبواب التي ظل يبحث عنها طويلًا، لكنها لم تعبر معه. تراجعت خطوة إلى الخلف وقالت في سرها: قصيًّا…
كانت تعرف أن بعض القرب يقتل المعجزة، وأن بعض الحب لا ينجو إلا إذا بقي حرًا. كانت تعرف أن تلاصق الأجساد قد يصنع فراقًا أكبر من كل المسافات، أما الأرواح فهي تعرف كيف تلتقي دون موعد، وكيف تبقى متجاورة حتى وإن فرقت بينها القارات.
تركته يمضي، ومضت هي أيضًا. لكن شيئًا منه بقي عالقًا في ذاكرتها، كما بقي شيء منها في قلبه. ومنذ ذلك اليوم، كلما مر نسيمٌ خفيف في المساء، كان يظن أنه شم عطرها، فيبتسم، ويفهم متأخرًا أن بعض النساء لا يُخلقن ليكنَّ ملكًا لأحد، بل ليبقين في الذاكرة مثل عطرٍ مرَّ ذات يوم، ثم اختفى، ولم يزل يملأ المكان.










