في واشنطن، حيث يلتقي الحلم بالخيبة
في صباح أحد الأيام، وعلى منصة “إكس” التي أصبحت ساحة للنقاش العالمي، دار حوار لم يكن مجرد نقاش عابر. كان مرآةً لحالة أمة بأكملها: حالة العرب والمسلمين في أمريكا، وعلاقتهم بالمرشحين الذين يحملون أسماءً عربية، لكنهم، في لحظة الحقيقة، قد لا يحملون همومهم.
تغريداتٌ تتراوح بين التفاؤل الحذر والتشاؤم المطلق، وبين الأمل في التغيير والخوف من التكرار. فمن جهة، هناك من يرى في رشيدة طليب وإلهان عمر صوتاً للقضايا العربية داخل المؤسسة الأمريكية. ومن جهة أخرى، هناك من يتذكر أوباما، ويحذر من أن “المظهر” لا يصنع السياسة، وأن “النسل” لا يضمن “النضال”.
هذه المقالة ليست دفاعاً عن أحد، ولا هجوماً على آخر. إنها محاولة لفهم ظاهرة أوسع: لماذا يخفق العرب والمسلمون، مراراً وتكراراً، في تحويل التمثيل السياسي إلى نفوذ حقيقي؟ ولماذا تظل أصواتهم، حتى عندما تصل إلى قاعات الكونغرس، هامشيةً في معادلة القرار الأمريكي تجاه قضاياهم المركزية؟
عندما يكون المرشح من جلدتنا.. لكنه ليس لنا
في كل دورة انتخابية أمريكية، يتكرر السيناريو ذاته: يظهر مرشحون من أصول عربية أو إسلامية، وتنطلق حملات الترويج لهم في وسائل الإعلام العربية، وكأن فوزهم سيكون نصراً للقضية الفلسطينية، أو انتصاراً للإسلام في أمريكا.
لكن الواقع، كما يشير العديد من المحللين، أكثر تعقيداً. فالمرشحون العرب والمسلمون في أمريكا، يحملون الجنسية الأمريكية ويعملون لمصلحتها. وهذا حق مشروع، بل هو واجبهم الدستوري. لكن المشكلة تنشأ عندما يُباعون للرأي العام العربي وكأنهم سفراء لقضايانا، بينما ممارساتهم الفعلية لا تعكس ذلك.
أما من ينتسبون للإسلام أو العروبة منهم، فينطبق عليهم، كما يقول الشاعر خلف بن هذال: “من دون صهيون.. بذّتنا صهاينّا”. أي أنهم، في محاولة لإثبات ولائهم لأمريكا، قد يبالغون في مواقفهم السلبية تجاه العرب والمسلمين، هذه الظاهرة ليست جديدة؛ فهي تعيدنا إلى تجربة أوباما، التي كانت، كما يقول العديد من الناشطين، “وبالاً على الإسلام وأهله أكثر من أي وقت مضى”.
أوباما والدرس الذي لم يُنسَ
ربما يكون الرئيس الأسبق باراك أوباما هو المثال الأكثر إثارة للجدل في هذا السياق. فمنذ إعلان فوزه في عام 2008، احتفى به العرب والمسلمون وكأنه واحد منهم. لكن سياسته في الشرق الأوسط، من دعمه لإسرائيل إلى تدخلاته العسكرية في العالم الإسلامي، جعلت الكثيرين يعيدون النظر.
“عودوا إلى البدايات.. عندما تم الإعلان عن فوز أوباما برئاسة أمريكا كان ذلك وبالاً على الإسلام وأهله أكثر من أي وقت مضى”. وهذا يعكس شعوراً عاماً بالخيبة، ليس فقط من أوباما، بل من فكرة أن التماثل العرقي أو الديني يضمن التماثل السياسي.
وحتى اليوم، تظل هذه الخيبة حاضرة في النقاشات حول المرشحين العرب والمسلمين الجدد. فكما يشير أحد المغردين: “المرشح الأمريكي المسلم أكثر عداوة للعرب والمسلمين من المرشح الأمريكي الآخر”. وهذا ليس اتهاماً جزافياً، بل هو نتيجة ملاحظات متكررة لمواقف بعض المرشحين الذين يحاولون، إظهار أنهم “أمريكيون أكثر من الأمريكيين”.
سيناريو الفشل المتكرر: لماذا لا ينجح العرب في تحويل التمثيل إلى نفوذ؟
إذا كانت هذه الظاهرة متكررة، فلماذا يستمر العرب والمسلمون في الوقوع في نفس الفخ؟ الإجابة، كما يراها المحللون، تعود إلى عدة عوامل:
أولاً: غياب الرؤية الاستراتيجية. فبدلاً من دعم مرشحين بناءً على برامجهم وسياساتهم، يتم دعمهم بناءً على هويتهم فقط. وهذا يؤدي إلى انتخاب شخصيات قد تكون معادية لقضايانا، تحت غطاء الهوية.
ثانياً: الضغط ليكونوا “أكثر أمريكية من الأمريكيين”. في بيئة سياسية معادية للعرب والمسلمين، يضطر المرشحون من أصول عربية إلى إظهار ولاء مفرط لأمريكا، وغالباً ما يكون هذا الولاء على حساب قضايا أصولهم.
ثالثاً: غياب التنسيق والاستمرارية. فبدلاً من بناء تحالفات استراتيجية طويلة الأمد، يتم التركيز على سباقات انتخابية فردية، مما يؤدي إلى نتائج متفرقة لا تؤثر في السياسة العامة.
وهذا ما يفسر قول البعض”غاسلين أيدينا منهم من زمان”. إنها خيبة أمل متراكمة من تجارب لم تؤدِ إلى تغيير حقيقي.
ثنائية النصر.. بين الأمل والواقع
لكن، في خضم هذا النقاش، هناك من يرى أن التغيير الحقيقي لا يأتي من مرشحين فرديين، بل من حركات شعبية ونضال طويل الأمد. وكما قالت إحدى المغردات: “بس نحكي حماس انتصرت.. هذا الي بنقصده.. غيرت العالم الي لازم يتغير لحتى نقدر ننتصر بالمعنى الحقيقي”.
هذه النظرة، التي ترى أن النصر الحقيقي لا يتحقق في صناديق الاقتراع الأمريكية، بل في الميدان وفي تغيير الوعي العالمي، قد تكون المخرج من دائرة الخيبة المتكررة. فبدلاً من انتظار منقذ من واشنطن، ربما يكون الحل في بناء قوة ذاتية، قادرة على فرض نفسها على المعادلة الدولية.
في واشنطن، حيث يلتقي الأمل بالخيبة مرة أخرى
من أوباما إلى طليب وعمر، تبقى العلاقة بين العرب والمسلمين والمرشحين من أصولهم في أمريكا علاقة معقدة، تتأرجح بين الأمل والخيبة، وبين التمثيل والخيانة. لكن الدرس الأهم، كما يبدو، هو أن السياسة ليست لعبة هويات، بل لعبة مصالح وقوى.
فبدلاً من الرهان على أفراد، ربما يكون الرهان الأكثر أماناً هو على بناء مؤسسات، ووعي، واستراتيجية طويلة الأمد. وبدلاً من انتظار من ينقذنا من واشنطن، ربما يكون الحل في أن نكون نحن من يغير المعادلة من الداخل، ليس عبر مرشحين فرديين، بل عبر حركات تغير الوعي الجماعي.
في النهاية، وكما قال البعض: “أنا أفرح وأطبل في الشرق الأوسط ليش؟”. ربما يكون الجواب هو: لا تفرح كثيراً، ولا تيأس تماماً. فقط كن واعياً، وافهم أن المعركة أكبر من مجرد اسم عربي في بطاقة اقتراع أمريكية.
الدرس الأعمق: حين لا يكون الحل في واشنطن بل في وحدتنا
في واشنطن، حيث يلتقي الأمل بالخيبة مرة أخرى
في زحام الانتخابات الأمريكية، وفي ضجيج منصات التواصل، تنشغل عقولنا بمرشح عربي هنا، أو نائب مسلم هناك، وكأن خلاص قضايانا مرتبط بتلك الأسماء. لكن التاريخ، كما تشير كل الدلائل، يعيد نفسه: أوباما مرّ، وطليب وعمر جاءتا، وغيرهما سيأتي، وقضيتنا تبقى كما هي. فالسياسة الأمريكية، في جوهرها، ليست لعبة هويات، بل لعبة مصالح، وحسابات استراتيجية لا تتغير بتغير وجوه المسؤولين.
هذا هو الدرس الأعمق الذي يخرج به العربي والمسلم من كل تجربة انتخابية أمريكية: أن الحل الحقيقي، الحل الذي لا يخون ولا يخيب، ليس في صناديق الاقتراع في أمريكا، بل في صناديق إرادتنا نحن.
انتظار الخارج.. خيار الخائبين
على مدى عقود، انشغل العرب والمسلمون بمن يكسب ودهم في الغرب: من سيصبح رئيساً، ومن سيكون وزيراً، ومن سينتخب عضواً في الكونغرس. وانشغلوا بتحليل تصريحات المرشحين، وتتبع مواقفهم، وكأن قضية فلسطين، أو وحدة الأمة، أو مستقبل المنطقة، رهنٌ بكلمة سياسي هنا أو هناك.
لكن الواقع، كما يشير الكاتب خالد آل عبد الله، أن “كل واحد منهم يكرس جهوده حتى يظهر أنه غربي أكثر من الغربيين وأمريكي أكثر منهم، فيبالغ في مواقفه السلبية تجاه العرب”. وهذا ليس خيانة من هؤلاء المرشحين، بل هو نتيجة طبيعية لكونهم يعملون في منظومة أمريكية، ومصلحتهم هي إثبات ولائهم لها. فلماذا ننتظر منهم ما لا يملكونه؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل آن الأوان للتوقف عن انتظار المنقذ من الخارج؟ وهل آن الأوان لنبدأ بالاعتماد على أنفسنا؟
من انتظار النجدة إلى صناعة القوة
في عالم السياسة، القوة لا تُعطى، بل تُؤخذ. والدول التي تمكنت من فرض مصالحها في المنطقة، لم تفعل ذلك لأن مرشحاً عربياً فاز في انتخابات أمريكية، بل لأنها بنت قوتها الذاتية، ووحدت صفوفها، وامتلكت إرادة مستقلة.
فكيف يمكن للعرب والمسلمين أن يتحرروا من عبء انتظار الحل من الخارج؟
أولاً: توحيد الصفوف. ففي وسط الانقسامات السياسية والطائفية، تضعف الأمة، وتصبح قابلة للاختراق. أما عندما تتوحد الصفوف، وتتجاوز الخلافات، فإنها تصبح كتلة صلبة لا يمكن تجاهلها.
ثانياً: تشكيل محاور إقليمية قوية. فبدلاً من الاعتماد على تحالفات مع قوى بعيدة، يمكن للعرب والمسلمين بناء محاور إقليمية قائمة على المصالح المشتركة، قادرة على حماية أمنها واستقرارها، والتصدي للتدخلات الخارجية.
ثالثاً: الاستثمار في القوة الذاتية. فالقوة العسكرية والاقتصادية والعلمية هي التي تمنح الدول ثقلاً في المعادلات الدولية. والاعتماد على الغير في هذه المجالات يجعل الأمة رهينة لإرادة الآخرين.
رابعاً: الوعي الإعلامي. فالإعلام العربي، بدلاً من أن يكون أداة للتضليل والتفرقة، يجب أن يكون أداة للوعي والوحدة، ينقل صورة حقيقية عن قضايا الأمة، ويكشف مخططات الأعداء، ويحفز على العمل الجماعي.
دروس من التاريخ.. حين صنعنا أمجادنا بأنفسنا
إذا نظرنا إلى التاريخ، نجد أن أمجاد الأمة العربية والإسلامية لم تأتِ بفضل دعم خارجي، بل بفضل قوة داخلية، وإرادة صلبة، ووحدة صف. ففي العصر الذهبي للإسلام، كانت الأمة قوية لأنها كانت موحدة، وكانت مبدعة لأنها كانت مستقلة، وكانت مؤثرة لأنها كانت تمتلك الثقة بالنفس.
والعودة إلى تلك الروح ليست رجعة إلى الماضي، بل هي استلهام للدروس. فكما يقول المثل: “إذا أردت أن تبني، فابني بقوتك، وإذا أردت أن تحمي، فاحمِ بوحدتك”. وهذا ما يجب أن نستوعبه اليوم، في عصر تتضاعف فيه التحديات وتتشابك فيه المصالح.
القرار في أيدينا، لا في واشنطن
في كل دورة انتخابية أمريكية، ينشغل العرب والمسلمون بمن سيفوز، وكأن الخلاص قادم من هناك. لكن التاريخ يعيد نفسه، والخيبة تتكرر. فكما قال الشاعر خلف بن هذال: “من دون صهيون.. بذّتنا صهاينّا”. إنها دعوة للوعي، ودعوة للتحرر من وهم أن الحل يأتي من الخارج.
فالقرار، في النهاية، ليس في يد مرشح عربي في أمريكا، ولا في يد رئيس أمريكي. القرار في أيدينا نحن: في وحدتنا، وقوتنا، وإرادتنا. وفي أن ندرك أن الخلاص لا يأتي من واشنطن، بل من وحدتنا.
في المرة القادمة التي تشاهد فيها حملة انتخابية أمريكية، تذكر أن الحل ليس هناك. الحل هنا، في أرضنا، في وحدتنا، في أن نكون سادة أنفسنا، لا تابعين للآخرين. وكما قال أحد المغردين: “أنا أفرح وأطبل في الشرق الأوسط ليش؟” ربما يكون الجواب: لا تفرح كثيراً، ولا تيأس تماماً. فقط كن واعياً، واعلم أن القوة في يدك، وفي يد أمتك.










