هيمن الاتجاه البيعي على تعاملات الأجانب في البورصة المصرية خلال خمسة من الأشهر الستة الأولى من عام 2026، غير أن استيعاب المؤسسات المحلية لتلك المبيعات نجح في إبقاء المؤشر الرئيسي EGX30 في المنطقة الخضراء خلال أربعة من تلك الأشهر الستة، وفق بيانات جمعتها نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية. وتخارج المستثمرون الأجانب والعرب مجتمعين من أسهم مدرجة بالبورصة المصرية بنحو 19.7 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام، في حين سجلت المؤسسات والأفراد المحليون صافي مشتريات بقيمة 19.7 مليار جنيه، وفقا لحسابات نشرة “انتربرايز”الاقتصادية المتخصصة .
يوليو يكسر سلسلة التراجعات:
رغم أن شهر يوليو شهد تحولا في هذا الاتجاه، مع تسجيل المستثمرين الأجانب صافي شراء بلغ 1.4 مليار جنيه في الأسهم المصرية، يتوقع الخبراء أن تمتد التقلبات لفترة أطول. وفي تصريحاته لإنتربرايز الأسبوع الماضي، قال العضو المنتدب ورئيس قطاع البحوث في “سي آي كابيتال” منصف مرسي إنه “لا يستبعد استمرار التقلبات في الفترة المقبلة”.
بالأرقام:
سجلت المؤسسات الأجنبية صافي شراء بقيمة 3.6 مليار جنيه في يناير، ثم صافي بيع بقيمة 293.2 مليون جنيه في فبراير (بي دي إف)، و7.4 مليار جنيه في مارس، قبل أن تعود لتسجيل صافي شراء بقيمة 100 مليون جنيه في أبريل، ثم صافي بيع بقيمة 2.8 مليار جنيه في مايو و2.1 مليار جنيه في يونيو. وواصل المستثمرون الأجانب الأفراد الشراء حتى أبريل، مسجلين صافي شراء بقيمة 1.7 مليون جنيه في يناير، و19.5 مليون جنيه في فبراير، و26.7 مليون جنيه في مارس. وتحولوا لاحقا لتسجيل صافي بيع بقيمة 318 مليون جنيه في أبريل، ثم عادوا لتسجيل صافي شراء بقيمة 25.1 مليون جنيه في مايو، وصافي بيع بقيمة 5.4 مليون جنيه في يونيو.
لماذا اتجه الأجانب للتخارج؟
أدت أسعار الفائدة المرتفعة على الدولار لفترة أطول والتوترات الجيوسياسية الإقليمية إلى تراجع جاذبية أسهم الأسواق الناشئة وارتفاع معدلات المخاطر بالمنطقة، وفق ما قاله رئيس استراتيجيات الأسهم في شركة ثاندر عمرو الألفي لإنتربرايز.
لكن “[حرب إيران] لا تفسر وحدها المشهد”، وفق ما صرح به وائل عبد الله، الأستاذ المساعد للتمويل في كلية أنسي ساويرس لإدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية بالقاهرة لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية . وأضاف عبد الله أن “البيانات تشير إلى عامل محفز مركب؛ إذ تزامن التصعيد الإيراني في مارس مع توقعات قوية باتجاه الاحتياطي الفيدرالي نحو تيسير سياسته النقدية، إلى جانب الرياح المعاكسة التي ضربت الأسواق الناشئة، مثل المخاوف بشأن النمو الصيني والقلق إزاء أسعار الفائدة. وهو ما أسفر عن تراجع المستثمرين الأجانب في جميع الأسواق المبتدئة في آن واحد”.
توزيع المسؤولية على 3 محاور:
يرجع عبد الله 50% من خروج المستثمرين الأجانب إلى عوامل دورية، منها بيئة أسعار الفائدة والمخاطر الإقليمية، و35% إلى قضايا هيكلية مثل عمق السوق أمام المتداولين وفترات التسوية وعقبات الحفظ المركزي وتغطية الأبحاث. أما نسبة الـ 15% المتبقية فيرجعها إلى تأثير أزمات الجنيه السابقة على سمعة السوق. ويشير عبدالله إلى أن مصر لا تملك السيطرة على العوامل الدورية، لكن القضايا الهيكلية “قابلة للحل” رغم أنها لم تحظ باهتمام كاف.
بدأ العام بشهية قوية للأسهم المصرية
“البداية القوية للعام ظاهرة تغذي نفسها”، على حد قول الألفي، مشيرا إلى التقييمات الرخيصة والسيولة الجديدة المتدفقة إلى صناديق الاستثمار المحلية.وتجلت المعنويات الداعمة للزخم المبكر بوضوح في تجمع للمستثمرين في فبراير، حيث التقى 65 من مديري الأصول العالميين والإقليميين، بإجمالي أصول مدارة 5 تريليونات دولار، مع مسؤولي 40 من كبريات الشركة المصرية المدرجة، وسادت حالة من التفاؤل أجواء اللقاء. وقال مؤسس مكتب عائلي ألماني لإنتربرايز آنذاك إن مصر تقدم واحدة من “القيم الاستثمارية الأفضل مقابل السعر على مستوى العالم”، في حين وصف رئيس قطاع الأسهم بأحد البنوك الإقليمية السوق المصرية بأنها “واحدة من الفرص الأكثر جاذبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، مشيرا إلى أن مخصصات صندوقه لمصر قفزت إلى 25% بعد أن كانت صفرا قبل عامين.
لكن حتى في ذلك الحين، كانت المخاوف هيكلية وليست ناجمة عن ضعف معنويات المستثمرين، وتركزت حول مستويات الدين السيادي، وما إذا كان تعويم الجنيه سيصمد “عندما تشتد الظروف”، على حد تعبير أحد المحللين من جنوب أفريقيا.
الطلب الموجه قد يبدو وكأنه قناعة استثمارية
يعتقد عبد الله أن “صمود البورصة المصرية يعكس أداء الأسعار في سوق ضعيفة السيولة، وليس نتيجة قناعة مؤسسية”. ويوضح: “في غياب تغطية بحثية قوية من جانب البيع أو سجلات أوامر عميقة، يؤدي أي تدفق صغير للسيولة إلى رفع الأسعار. هذا ليس صمودا، بل نقص في السيولة يتخفى في صورة قوة”.
وأضاف عبد الله أن “المؤسسات المحلية استوعبت التدفقات لأنها ملزمة بالشراء نظرا لقاعدة التزاماتها المحلية، وليس لاقتناعها بالأسهم”. ويشير إلى أنه “إذا دفعت مبيعات الأجانب المستثمرين المصريين للتدخل بشكل تلقائي، فهذا يمثل علامة على ضحالة مخزون المتعاملين وقصور آليات اكتشاف الأسعار”. وأفاد عبدالله بأنه في الأسواق الأكثر عمقا، يقابل بيع الأجانب بشراء محلي معاكس يعتمد على القيمة، وليس استيعابا تلقائيا بدافع الالتزام.
هل انتهت فرضية تجارة الفائدة؟
نظرة متفائلة:
يرى الألفي أن تجارة الفائدة تحركا انتهازيا، ولم تتلاشى كليا، مضيفا: “في ظل وصول عقود مبادلة مخاطر الائتمان المصرية إلى أدنى مستوياتها منذ عدة سنوات، ومع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة على الجنيه واستقرار التضخم، فإن تجارة الفائدة لا تزال خيارا منطقيا اليوم. لكن الارتفاع المحتمل في أسعار الفائدة على الدولار قد يقيد الطلب عليها”.
وفي المقابل، يرى عبد الله أن تجارة الفائدة جذبت “رؤوس أموال خاطئة: قصيرة الأجل، وحساسة لأسعار الفائدة، ولا تثق أبدا في الأساسيات الاقتصادية لمصر”، مضيفا أن “تجار الفائدة يضطرون للبيع عند تجنب المخاطرة، فهم لا يحققون الاستقرار في الأسواق”. ويضيف أن التسعير الحالي في البورصة المصرية “لم يعد يعكس منطق تجارة الفائدة”. وأشار إلى أن التقييمات أعيد تسعيرها بناء على الطلب غير المرن للمؤسسات المحلية، وهو ما لا يراه تطورا إيجابيا بقدر ما هو انفصال عن التوزيع العالمي لرؤوس الأموال.
لكن، ما الذي يصنع الفارق حقا؟
يؤكد عبد الله أن “رؤوس الأموال الأجنبية لن تعود حتى تستقر دورة العائد الخالي من المخاطر، وليس فقط بسبب تحسن الأساسيات الاقتصادية لمصر”.
وأشار إلى أن تحسن هوامش عقود مبادلة مخاطر الائتمان لمصر منذ وقف إطلاق النار يهم حاملي السندات، وليس مستثمري الأسهم. ويوضح عبدالله أن “هوامش عقود مبادلة مخاطر الائتمان مؤشر متزامن لشهية الأجانب، وليست محركا لها”. ففي حين يسعر حاملو السندات مخاطر التعثر بشكل مباشر، يهتم مستثمرو الأسهم بنمو الأرباح وتوزيع رؤوس الأموال والضغوط على أسعار الصرف. وأضاف عبدالله: “انفصل سوق الأسهم المصرية عن هوامش الائتمان الخاصة بها. هذا مجرد معطى، وليس محفزا”.
من بين الآليات الأكثر قابلية للتنفيذ وفقا لترتيبه:
البنية التحتية لتوفير السيولة من قبل الوسطاء، والتي يصفها بأنها “آلية وفورية”، وتحديث عمليات الحفظ والتسوية، وتقليص فترة التسوية من يومي عمل (T+2) إلى يوم واحد (T+1) أو التسوية اللحظية (T+0)، وهو ما “يزيل العقبات ولكنه لا يحفز التدفقات”، إلى جانب سياسة الاقتصاد الكلي، التي يصفها بأنها مشروع “يستغرق عقدا من الزمن”. ويرى عبدالله أن سوق المشتقات المالية النشط في البورصة المصرية وآليات البيع على المكشوف وآليات صانعي السوق التي لا تزال قيد الإعداد “ضرورية ولكنها غير كافية”، موضحا أنها “تشجع مشاركة المتداولين، وليس مديري توزيع الأصول”.
تصنيف ستاندرد آند بورز يلقي بظلاله على المشهد
قال عبد الله: “خفض التصنيف يمثل إقرارا رسميا بما تعكسه الأسعار حاليا؛ فالبورصة المصرية باتت أصغر من المأمول وتفتقر للعوامل الجاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية، بشكل لا يسوغ استمرارها في مؤشر الأسواق الناشئة”. وكانت المشاورات التي أجرتها مؤسسة ستاندرد آند بورز داو جونز للمؤشرات بشأن خفض تصنيف مصر من سوق ناشئة إلى سوق مبتدئة قد انتهت الشهر الماضي، وسط توقعات بصدور قرار في غضون أشهر.
في حال فاتك ذلك- استند الرد الرسمي للبورصة المصرية على المؤسسة بقوة إلى التحسن في المؤشرات الاقتصادية الكلية، وتحديدا تراجع التأخيرات في تحويل الأرباح إلى الخارج، وتسجيل صافي الأصول الأجنبية والاحتياطيات مستويات مرتفعة، وتسجيل البورصة نفسها حجما قياسيا للتداول اليومي بلغ 15.6 مليار جنيه، كأدلة على أن السوق تتجه نحو ترقية تصنيفها وليس خفضه، وفق ما قاله رئيس البورصة المصرية عمر رضوان لإنتربرايز الأسبوع الماضي.










