منذ زمن بعيد وقد اعتدت مُصافحة وجه النيل عند شروق الشمس وعند غروبها !!.
النيل صديقي الوفي وخِلي ، ومَلاذي ، وموطن أسراري ومُتعتي ، يُعيدني إلى طفولتي ، وصباي ، وشبابي ، أفرح عندما أراه يجري مُسرعاً مُتدفقاً مُتعجلاً على سقيّ أراضينا العَطشي ، أصفق له كلاعب موهوب يطربني بغزير أهدافه وبراعته ، أشاهد على صفحته صوراً لكل الذين نبتوا من خيراته ، واستمدوا عظمتهم من وجوده ، منذ حتشبسوت ونفرتيتي وحتى أم كلثوم وخالتي زكية بائعة الفجل التي كانت تزيل اتساخ خضرتها بمياهه ، وترتجي طهارتها أيضاً !!.
مغرب اليوم ذهبت إليه هكذا ، دونما كُلفة كما اعتاد أن يراني ، سألته محتاراً ماذا أكتب ، فأنا يانيل قد وقعت عقداً شرفياً بيني وبين قُرائي أن أقدم لهم كوب حليب طازج كل صباح ، ومنذ سنوات طوال وأنا تلميذ مجتهد لا أؤجل عمل اليوم إلى الغد ، وألتزم بهذا التعاقد كأنه ميثاق مقدس ، ولايمنعني عن ذلك إلا الشديد القوي ، كما كانت تقول أمي ، وأتعجب حين يسألني البعض ماذا كسبت ، قل لهم يانيل أنني كسبت الكثير والكثير ، والذي لايُقدر بمال الدنيا كلها ولا بجاهها ، كسبت ثقة الناس وحبهم ، وصار لي عزوة إلكترونية في كل أنحاء العالم ، أغنوني عن عزوة الدم مهما عظمت !!.
قال لي النيل أكتب عني ، فأنا صرت بين يديّ خبيثة تعبث بي ، قلت له كتبت عنك يانيل وسأكتب ، وإن كانت قناعتي أنه لا أحد يقدر على منعك والتحكم فيك غير الله ، قناعة ثابتة لم ولن تتغير !!.
قال أكتب عن مأساة أهلنا في غزة ، والعن مَن تسبب فيها ، اكتب عن الخراب والدمار والموت العبثي ، والعدو الغادر المتوحش الهمجي القاتل ، قلت قلبي ينزف معهم ، وإن كتبت سأغمس قلمي في مداد قلبي !!.
قال اكتب عن نفسك ، فعلي كاهلك هموم تنوء بحملها الجبال ، لكنك حَمول صَبور كَتوم لا تبوح ، وفي البَوّح راحة ، وفي الفضفضة سلام روحي ، قلت يانيل أنت تعرف أنني عاهدت نفسي ألا أشغل الناس بجروحي ، ولا أعرض عليهم طعنات قلبي ، ولا أسمعهم أنات آلامي ، فأنا كما تعرف يانيل اشتراكي في أفراحي ، رأسمالي في أتراحي !!.
قال اكتب عن الفقر والفقراء ، والمرضي والدواء ، والعلم والعلماء ، والفن والغناء ، والشعر والشعراء ، والكاذبين والأدعياء ، والمخلصين والأوفياء ، قلت بل سأكتفي يانيل هذا المساء ، بأن نردد معاً هذا الدعاء :
اللهم طهر قلوبنا من الرياء ، واحفظ مصرنا من الأعداء ، وأدم علينا نيلنا ماءً سلسبيلاً وشفاء ، وارفع عنا البلاء والوباء والغلاء !!.










