انتبهوا :
- أولا : من أخطر سلبيات ظاهرة ” القاضي المزيف ” أنها قد تتحول إلى وسيلة لإلهاء الناس عن القضايا الأساسية التي خلقنا الله تعالى من أجلها وهي :” عبادة الله و عمارة الأرض ” قال تعالى
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون “
أو تشغل الناس والرأي العام عن قضاياهم الحقيقية ، وتستنزف اهتمامهم في قضية جانبية ، بينما تتوارى وراءها مشكلات الوطن وهموم المواطنين ، وتغيب عن المشهد قضايا العالم والأحداث الكبرى التي تستحق الوعي والمتابعة •
- والرسالة الأهم : لا ينبغي أن نسمح لأي قضية مثيرة أن تسرق وعينا من قضايا أمتنا ، ولا أن يتحول الفضول إلى غفلة
، والانشغال إلى إلهاء • المقدمة البلاغية :
الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان ، ونهى عن الظلم والعدوان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أقام ميزان الحق ، وربى أمة لا مكان فيها للخداع ولا للتزييف ولا لانتحال ما ليس للإنسان • أما بعد : - فإن أخطر مايصيب المجتمعات ليس أن يظهر فيها صاحب الباطل فحسب ، وإنما أن يتزين الباطل بثوب الحق ، وأن يتكلم
الكاذب بلسان الصادق ، وأن يرتدي المزيف ثوب صاحب المكانة والاختصاص • - وحين يصل التزييف إلى مقام القضاء ، فإن المسألة لا تعود مجرد كذبة عابرة ؛ لأن القضاء عنوان للعدل ، وموضع ثقة ،
وحرمة الحقوق والأعراض والأموال • - فإذا ادعى إنسان صفة قاض وهو ليس بقاض ، أو استعمل
لقبا أو مستندا أو هيئة توهم الناس أنه صاحب سلطة قضائية
، فقد تجاوز حد الكذب إلى انتحال صفة لها آثار قانونية واجتماعية وأخلاقية بالغة الخطورة • - إننا اليوم لا نتحدث عن شخص بعينه ، وإنما نتحدث عن المظهر ، والأمانة أعظم من المنصب ، والكرامة الحقيقية أرفع
من لقب مزيف ؟
أولا : ما المقصود بالقاضي المزيف ؟
ينبغي التفريق بين! أمرين :
- القاضي الحقيقي : شخص تولى وظيفة القضاء وفق الإجراءات والضوايط القانونية المعتمدة ، وله اختصاص محدد •
- القاضي المزيف : من ينتحل صفة القاضي أو يوهم الناس بأنه صاحب هذه الصفة دون أن يكون مخولا بها قانونا ، سواء باستعمال لقب أو بطاقة أو مستند أو مظهر أو وسيلة أخرى بقصد الإيهام •
- وهذا السلوك قد يدخل قانونا في صور مختلفة بحسب الواقعة والتشريع المعمول به ، ولذلك لا يصح إطلاق حكم قانوني محدد على كل حالة دون معرفة تفاصيلها •
- أما شرعا وأخلاقا : فالكذب والتدليس والغش وانتحال ما ليس للإنسان من الصفات أمور مذمومة •
ثانيا : لماذا يمثل هذا السلوك خطرا كبيرا ؟
١ – لإنه يعتدي على الثقة العامة ، والمجتمع لا يستطيع أن يعيش بلا ثقة • نثق في الطبيب ، والمعلم ، والمهندس والقاضي ، ورجل الشرطة ، والموظف ، لأن كل وظيفة وضوابطها •
فإذا أصبح الإنسان لا يعرف : من الحقيقي ؟ ومن المزيف ؟ اهتزت الثقة في المجتمع كله •
٢- لأنه قد يؤدي إلى ضياع الحقوق •
قد يصدق شخص صاحب الصفة المزيفة ، فيدفع له مالا ، أو
يسلمه مستندات ، أو يكشف له أسرارا ، أو يبني قرارات مصيرية على كلامه • وهنا يتحول التزييف من مجرد كذب إلى
ضرر حقيقي يصيب الآخرين •
٣- لأنه يشوه صورة القضاء :
- القضاء من أعظم مؤسسات الدولة ؛ لأنه مرتبط بإقامة العدل،
قال تعالى : ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ” سورة النساء : ٥٨
فالعدل أمانة ومن أخطر الأمور أن يتحول مظهر العدالة إلى وسيلة لخداع الناس •
ثالثا : هل التزييف يبدأ صغيرا ؟
وهنا القضية التربوية الأهم . قد لا يبدأ الطفل بقول :
” سأكون شخصا مزيفا ” بل ببدأ بأشياء تبدو صغيرة :
يكذب في أمر بسيط ، يدعي أنه فعل شيئا لم يفعله ، ينسب لنفسه إنجاز غيره ، يبالغ في مكانته ، يزور توقيعا أو ورقة ، يستعمل اسم شخص ذي نفوذ ، يتباهى بما ليس عنده ، يطلب من والديه الكذب من أجله • يكتشف أن الكذب يحقق له مصلحة ، فيعتاد عليه •
وهنا يجب أن نتوقف • فالطفل الذي يتعلم أن الكذب وسيلة للنجاة ، قد. يصبح شابا يرى التزييف وسيلة للصعود •
رابعا : القرآن الكريم يبني الإنسان الصادق :
قال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين “
سورة التوبة : ١١٩ . لم يقل. القرآن : قولوا الصدق فقط ، وإنما
قال : ” وكونوا مع الصادقين ” لأن الصدق ليس كلمة تقال،
وإنما بيئة وشخصية. ومنهج حياة •
وقال سبحانه وتعالى : ” ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق
وأنتم تعلمون ” سورة البقرة : ٤٢ . وقال جل شأنه : ” واجتنبوا قول الزور ” سورة الحج : ٣٠ والزور هو الباطل والكذب ، ومنه كل قول أو ادعاء يراد به قلب الحقيقة وتزييفها •
خامسا : السنة النبوية تحذر من صناعة الكذاب :
قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة “
وفي الحديث نفسه :” التحذير من الكذب ، وأن الإنسان يستمر في الكذب حتى يكتب عند الله كذابا •
- وقال – صلى الله عليه وسلم – : ” من غشنا فليس منا ” رواه مسلم
وهذا الحديث قاعدة عظيمة في مواجهة كل صور الغش والتدليس والخداع • - فالإنسان المؤمن لا يجعل الخداع وسيلة لتحقيق مكانة أو مال أو نفوذ •
سادسا : هل للتزييف أي إيجابيات ؟
من المهم أكاديميا أن نفرق بين الإيجابيات الحقيقية وبين النتائج التي قد. يظنها الشخص إيجابية •
قد يحصل المزيف مؤقتا على : شهرة ، احترام ظاهري ، أموال ، نفوذ مؤقت ، قدرة على التأثير في بعض الناس • لكن هذه
ليست إيجابيات حقيقية ؛ لأنها مبنية على الباطل • إنها مكاسب
قصيرة العمر ، وثمنها طويل الأثر •
- أما الإيجابي الحقيقي الذي يمكن استخراجه من الظاهرة فهو :
- كشف أهمية التحقق من الصفات والمعلومات • تعزيز الوعي
القانوني • حماية المحتمع من المحتالين • تعليم الأبناء قيمة
الصدق • تقوية احترام المؤسسات • نشر ثقافة المسئوولية والمساءلة •
سابعا : ما علاج الشخصية المزيف ؟
إذا اكتشفنا أن شابا أو شخصا اعتاد التزييف ، فلا ينبغي أن
يكون العلاج مجرد فضيحة أو سخرية ، بل نبحث عن جذور المشكلة : لماذا يكذب ؟ هل يريد الاهتمام به • هل يشعر بالنقص؟ هل يريد المال ؟ هل يبحث عن مكانة اجتماعية ؟ هل نشأ في بيئة تقدس المظاهر ؟ ثم نساعده على بناء قيمة حقيقية لنفسه •
لكن إذا تحول الأمر إلى تزوير مستندات أو انتحال صفة أو
إضرار بالآخرين ، فلابد من الجمع بين الإصلاح التربوي وتحمل المسئوولية القانونية وفقق النظام المعمول به •
كلما رايته على الميديا أذكر الله وأستغفره كثيرا . وعلينا بالدعاء له
بالهداية ولا ندعو علييهم فنكسبهم حسنات ونحمل نحن سيئات
ونتذكر أنه إنسان لابد من علاجه علاجا نفسيا ثم عقابه وفقا للقانون
وبما يراه القضاء العادل •
ثامنا : الرسالة الكبرى :
في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة وفي الإعلام وفي الخطاب الديني وفي احترام القانون ، وفي بناء إنسان يعرف أن : اللقب لا يصنع صاحبه ، وإنما صاحبه هو الذي يصنع قيمة اللقب •
الخاتمة البلاغية المؤثرة :
- إن الإنسان قد يستطيع أن يزور ورقة ، وقد يستطيع أن يزور
توقيعا ، وقد يستطيع أن يزور مظهرا ، وقد يستطيع أن يخدع بعض الناس فترة من الزمن ••• لكنه لا يستطيع أن يزور الحقيقة
أمام الله • - قد تخدع الناس ساعة ، وقد تخدعهم يوما ، وربما أعواما ؛ ولكن الحقيقة لها موعد ، والباطل مهما ارتفع صوته فله نهاية •
قال تعالى : ” إن الله لا يحب عمل المفسدين ” سورة يونس: ٨١
ولذلك فلنرب أبناءنا على قاعدة عظيمة :
- لا تكن نسخة مزيفة من إنسان آخر ؛ كن أفضل نسخة صادقة من نفسك •
- علموهم أن يقولوا ” لا أعرف ” بدل أن يتظاهروا بالعلم ، وأن
يقولوا ” أخطأت ” بدل أن يزور الحقيقة ، وأن يقولوا ” لا. أملك ” بدل أن ينتحلوا ما ليس لهم ، وأن يرضوا بالمكانة التي يصنعها العمل لا المكانة التي يصنعها الادعاء • - فالصدق قد يؤخر صاحبه قليلا ، لكنه لا. يهدمه أبدا ؛ أما
التزييف فقد يرفع صاحبه سريعا ، لكنه يتركه يوما بلا أرض
يقف عليها .
وفي النهاية ••• ليست العظمة أن يظنك الناس قاضيا ، أو عالما ، أو مسؤولا ، أو صاحب نفوذ ؛ العظمة أن تكون عند الله صادقا ، أمينا ، نزيها ، عادلا •
فالهيبة التي يصنعها الكذب قناع ، والهيبة التي يصنعها الصدق
كرامة ، وبين القناع والكرامة يصنع الإنسان نفسه •
أسأل الله تعالى أن يرزق أبناءنا الصدق والأمانة ، وأن يحفظ مجتمعنا من الغش والتدليس وانتحال الصفات ، وأن يجعلنا ممن إذا عرفوا عرفوا بالحق ، وإذا اؤتمنوا أدوا الأمانة ، وإذا تكلموا صدقوا ، وإذا أخطأوا اعترفوا ، وإذا قدروا عدلوا •
- اللهم رب أبناءنا على الصدق ، واجعل الأمانة في قلوبهم ، والحق على ألسنتهم ، ولا تجعل الدنيا أكبر همهم ، ولا تجعل المظهر أغلى عندهم من الجوهر •
- الحمد لله رب العالمين الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه •










