د. شمس راغب تكتب.. حين يرتدي الباطل ثوب العدالة : القاضي المزيف وخطر تزوير الهيبة


انتبهوا :

  • أولا : من أخطر سلبيات ظاهرة ” القاضي المزيف ” أنها قد تتحول إلى وسيلة لإلهاء الناس عن القضايا الأساسية التي خلقنا الله تعالى من أجلها وهي :” عبادة الله و عمارة الأرض ” قال تعالى
    وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون “

أو تشغل الناس والرأي العام عن قضاياهم الحقيقية ، وتستنزف اهتمامهم في قضية جانبية ، بينما تتوارى وراءها مشكلات الوطن وهموم المواطنين ، وتغيب عن المشهد قضايا العالم والأحداث الكبرى التي تستحق الوعي والمتابعة •

  • والرسالة الأهم : لا ينبغي أن نسمح لأي قضية مثيرة أن تسرق وعينا من قضايا أمتنا ، ولا أن يتحول الفضول إلى غفلة
    ، والانشغال إلى إلهاء • المقدمة البلاغية :
    الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان ، ونهى عن الظلم والعدوان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أقام ميزان الحق ، وربى أمة لا مكان فيها للخداع ولا للتزييف ولا لانتحال ما ليس للإنسان • أما بعد :
  • فإن أخطر مايصيب المجتمعات ليس أن يظهر فيها صاحب الباطل فحسب ، وإنما أن يتزين الباطل بثوب الحق ، وأن يتكلم
    الكاذب بلسان الصادق ، وأن يرتدي المزيف ثوب صاحب المكانة والاختصاص •
  • وحين يصل التزييف إلى مقام القضاء ، فإن المسألة لا تعود مجرد كذبة عابرة ؛ لأن القضاء عنوان للعدل ، وموضع ثقة ،
    وحرمة الحقوق والأعراض والأموال •
  • فإذا ادعى إنسان صفة قاض وهو ليس بقاض ، أو استعمل
    لقبا أو مستندا أو هيئة توهم الناس أنه صاحب سلطة قضائية
    ، فقد تجاوز حد الكذب إلى انتحال صفة لها آثار قانونية واجتماعية وأخلاقية بالغة الخطورة •
  • إننا اليوم لا نتحدث عن شخص بعينه ، وإنما نتحدث عن المظهر ، والأمانة أعظم من المنصب ، والكرامة الحقيقية أرفع
    من لقب مزيف ؟

أولا : ما المقصود بالقاضي المزيف ؟
ينبغي التفريق بين! أمرين :

  • القاضي الحقيقي : شخص تولى وظيفة القضاء وفق الإجراءات والضوايط القانونية المعتمدة ، وله اختصاص محدد •
  • القاضي المزيف : من ينتحل صفة القاضي أو يوهم الناس بأنه صاحب هذه الصفة دون أن يكون مخولا بها قانونا ، سواء باستعمال لقب أو بطاقة أو مستند أو مظهر أو وسيلة أخرى بقصد الإيهام •
  • وهذا السلوك قد يدخل قانونا في صور مختلفة بحسب الواقعة والتشريع المعمول به ، ولذلك لا يصح إطلاق حكم قانوني محدد على كل حالة دون معرفة تفاصيلها •
  • أما شرعا وأخلاقا : فالكذب والتدليس والغش وانتحال ما ليس للإنسان من الصفات أمور مذمومة •

ثانيا : لماذا يمثل هذا السلوك خطرا كبيرا ؟

١ – لإنه يعتدي على الثقة العامة ، والمجتمع لا يستطيع أن يعيش بلا ثقة • نثق في الطبيب ، والمعلم ، والمهندس والقاضي ، ورجل الشرطة ، والموظف ، لأن كل وظيفة وضوابطها •
فإذا أصبح الإنسان لا يعرف : من الحقيقي ؟ ومن المزيف ؟ اهتزت الثقة في المجتمع كله •

٢- لأنه قد يؤدي إلى ضياع الحقوق •
قد يصدق شخص صاحب الصفة المزيفة ، فيدفع له مالا ، أو
يسلمه مستندات ، أو يكشف له أسرارا ، أو يبني قرارات مصيرية على كلامه • وهنا يتحول التزييف من مجرد كذب إلى
ضرر حقيقي يصيب الآخرين •

٣- لأنه يشوه صورة القضاء :

  • القضاء من أعظم مؤسسات الدولة ؛ لأنه مرتبط بإقامة العدل،
    قال تعالى : ” إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ” سورة النساء : ٥٨
    فالعدل أمانة ومن أخطر الأمور أن يتحول مظهر العدالة إلى وسيلة لخداع الناس •

ثالثا : هل التزييف يبدأ صغيرا ؟
وهنا القضية التربوية الأهم . قد لا يبدأ الطفل بقول :

” سأكون شخصا مزيفا ” بل ببدأ بأشياء تبدو صغيرة :
يكذب في أمر بسيط ، يدعي أنه فعل شيئا لم يفعله ، ينسب لنفسه إنجاز غيره ، يبالغ في مكانته ، يزور توقيعا أو ورقة ، يستعمل اسم شخص ذي نفوذ ، يتباهى بما ليس عنده ، يطلب من والديه الكذب من أجله • يكتشف أن الكذب يحقق له مصلحة ، فيعتاد عليه •
وهنا يجب أن نتوقف • فالطفل الذي يتعلم أن الكذب وسيلة للنجاة ، قد. يصبح شابا يرى التزييف وسيلة للصعود •

رابعا : القرآن الكريم يبني الإنسان الصادق :

قال تعالى : ” يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين “
سورة التوبة : ١١٩ . لم يقل. القرآن : قولوا الصدق فقط ، وإنما
قال : ” وكونوا مع الصادقين ” لأن الصدق ليس كلمة تقال،
وإنما بيئة وشخصية. ومنهج حياة •

وقال سبحانه وتعالى : ” ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق
وأنتم تعلمون ” سورة البقرة : ٤٢ . وقال جل شأنه : ” واجتنبوا قول الزور ” سورة الحج : ٣٠ والزور هو الباطل والكذب ، ومنه كل قول أو ادعاء يراد به قلب الحقيقة وتزييفها •

خامسا : السنة النبوية تحذر من صناعة الكذاب :

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” عليكم بالصدق ، فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة “
وفي الحديث نفسه :” التحذير من الكذب ، وأن الإنسان يستمر في الكذب حتى يكتب عند الله كذابا •

  • وقال – صلى الله عليه وسلم – : ” من غشنا فليس منا ” رواه مسلم
    وهذا الحديث قاعدة عظيمة في مواجهة كل صور الغش والتدليس والخداع •
  • فالإنسان المؤمن لا يجعل الخداع وسيلة لتحقيق مكانة أو مال أو نفوذ •
    سادسا : هل للتزييف أي إيجابيات ؟

من المهم أكاديميا أن نفرق بين الإيجابيات الحقيقية وبين النتائج التي قد. يظنها الشخص إيجابية •

قد يحصل المزيف مؤقتا على : شهرة ، احترام ظاهري ، أموال ، نفوذ مؤقت ، قدرة على التأثير في بعض الناس • لكن هذه
ليست إيجابيات حقيقية ؛ لأنها مبنية على الباطل • إنها مكاسب
قصيرة العمر ، وثمنها طويل الأثر •

  • أما الإيجابي الحقيقي الذي يمكن استخراجه من الظاهرة فهو :
  • كشف أهمية التحقق من الصفات والمعلومات • تعزيز الوعي
    القانوني • حماية المحتمع من المحتالين • تعليم الأبناء قيمة
    الصدق • تقوية احترام المؤسسات • نشر ثقافة المسئوولية والمساءلة •
    سابعا : ما علاج الشخصية المزيف ؟

إذا اكتشفنا أن شابا أو شخصا اعتاد التزييف ، فلا ينبغي أن
يكون العلاج مجرد فضيحة أو سخرية ، بل نبحث عن جذور المشكلة : لماذا يكذب ؟ هل يريد الاهتمام به • هل يشعر بالنقص؟ هل يريد المال ؟ هل يبحث عن مكانة اجتماعية ؟ هل نشأ في بيئة تقدس المظاهر ؟ ثم نساعده على بناء قيمة حقيقية لنفسه •
لكن إذا تحول الأمر إلى تزوير مستندات أو انتحال صفة أو
إضرار بالآخرين ، فلابد من الجمع بين الإصلاح التربوي وتحمل المسئوولية القانونية وفقق النظام المعمول به •
كلما رايته على الميديا أذكر الله وأستغفره كثيرا . وعلينا بالدعاء له
بالهداية ولا ندعو علييهم فنكسبهم حسنات ونحمل نحن سيئات
ونتذكر أنه إنسان لابد من علاجه علاجا نفسيا ثم عقابه وفقا للقانون
وبما يراه القضاء العادل •

ثامنا : الرسالة الكبرى :

في البيت وفي المدرسة وفي الجامعة وفي الإعلام وفي الخطاب الديني وفي احترام القانون ، وفي بناء إنسان يعرف أن : اللقب لا يصنع صاحبه ، وإنما صاحبه هو الذي يصنع قيمة اللقب •

الخاتمة البلاغية المؤثرة :

  • إن الإنسان قد يستطيع أن يزور ورقة ، وقد يستطيع أن يزور
    توقيعا ، وقد يستطيع أن يزور مظهرا ، وقد يستطيع أن يخدع بعض الناس فترة من الزمن ••• لكنه لا يستطيع أن يزور الحقيقة
    أمام الله •
  • قد تخدع الناس ساعة ، وقد تخدعهم يوما ، وربما أعواما ؛ ولكن الحقيقة لها موعد ، والباطل مهما ارتفع صوته فله نهاية •
    قال تعالى : ” إن الله لا يحب عمل المفسدين ” سورة يونس: ٨١

ولذلك فلنرب أبناءنا على قاعدة عظيمة :

  • لا تكن نسخة مزيفة من إنسان آخر ؛ كن أفضل نسخة صادقة من نفسك •
  • علموهم أن يقولوا ” لا أعرف ” بدل أن يتظاهروا بالعلم ، وأن
    يقولوا ” أخطأت ” بدل أن يزور الحقيقة ، وأن يقولوا ” لا. أملك ” بدل أن ينتحلوا ما ليس لهم ، وأن يرضوا بالمكانة التي يصنعها العمل لا المكانة التي يصنعها الادعاء •
  • فالصدق قد يؤخر صاحبه قليلا ، لكنه لا. يهدمه أبدا ؛ أما
    التزييف فقد يرفع صاحبه سريعا ، لكنه يتركه يوما بلا أرض
    يقف عليها .
    وفي النهاية ••• ليست العظمة أن يظنك الناس قاضيا ، أو عالما ، أو مسؤولا ، أو صاحب نفوذ ؛ العظمة أن تكون عند الله صادقا ، أمينا ، نزيها ، عادلا •
    فالهيبة التي يصنعها الكذب قناع ، والهيبة التي يصنعها الصدق
    كرامة ، وبين القناع والكرامة يصنع الإنسان نفسه •

أسأل الله تعالى أن يرزق أبناءنا الصدق والأمانة ، وأن يحفظ مجتمعنا من الغش والتدليس وانتحال الصفات ، وأن يجعلنا ممن إذا عرفوا عرفوا بالحق ، وإذا اؤتمنوا أدوا الأمانة ، وإذا تكلموا صدقوا ، وإذا أخطأوا اعترفوا ، وإذا قدروا عدلوا •

  • اللهم رب أبناءنا على الصدق ، واجعل الأمانة في قلوبهم ، والحق على ألسنتهم ، ولا تجعل الدنيا أكبر همهم ، ولا تجعل المظهر أغلى عندهم من الجوهر •
  • الحمد لله رب العالمين الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه •

شاهد أيضاً

«شباب الوفد»: كلمة مصر بقمة «حل الدولتين» تجسيد لموقفها التاريخي الثابت دعمًا للقضية الفلسطينية

كتب مجدى عيسى ​أكد سيد طه فايز، نائب رئيس شباب حزب الوفد، الرفض القاطع لأي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *