تخلق طفرة التحويلات النقدية إلى مصر فرصة أكبر بكثير للشركات التي تتولى إنشاء البنية التحتية الداعمة لهذه الطفرة. وفي ظل وصول التدفقات إلى مستويات قياسية وزيادة حركة الأموال عبر القنوات الرسمية، تسعى شركة بلد المتخصصة في البنية التحتية للتكنولوجيا المالية إلى توسيع الشبكات الرابطة بين مقدمي خدمات التحويلات الدولية والمستفيدين محليا. وفي الوقت ذاته، يرى المؤسس الشريك والرئيس التنفيذي للشركة أدهم عزام أن السوق تمتلك إمكانات للتطور إلى ما هو أبعد من مجرد تحويل الأموال إلى البلاد.
وتحظى بلد حاليا بدعم كيان ذي ثقل في قطاع الخدمات المالية؛ بعدما استحوذت “إي إف جي فاينانس” مؤخرا على حصة حاكمة في الشركة. وفي ضوء ذلك، التقت نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية مع عزام لمناقشة موقع بلد في البنية التحتية للتحويلات النقدية في البلاد، وخططها التوسعية، وكيف يمكن لمصر بناء علاقة مالية مع ملايين المصريين المقيمين بالخارج.
لكن، ماذا تقدم بلد؟
توفر شركة التكنولوجيا المالية الواقع مقرها في القاهرة البنية التحتية التي تربط بين شركات التحويلات الدولية ونظام الدفع المصري، مما يتيح لشركات التكنولوجيا المالية وشركات الصرافة والمؤسسات المالية المنظمة في الخارج إرسال الأموال إلى الحسابات البنكية المحلية ومحافظ الهاتف المحمول، أو إتاحتها للاستلام النقدي. وحصلت شركة بلد على موافقة البنك المركزي المصري على تقديم خدمات تجميع التحويلات النقدية في عام 2025 بموجب إطار البنك الراعي.
بالأرقام:
تلقت مصر تحويلات نقدية بلغت 43.1 مليار دولار خلال الأحد عشر شهرا الأولى من العام المالي 2026/2025، وتحديدا في الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026، بينما بلغت التدفقات خلال عام 2025 مستوى قياسيا قدره 41.5 مليار دولار. وقال عزام: “إنها تفوق في الواقع العديد من مصادر دخلنا الأخرى، مثل السياحة على سبيل المثال، أو قناة السويس، أو حتى صادراتنا”، في إشارة إلى الصادرات السلعية.
في صدارة أفريقيا:
أشار عزام إلى أن مصر تستحوذ على نحو ثلث التحويلات التي تتدفق إلى القارة سنويا، والتي تتراوح بين 100 و110 مليارات دولار. ويصبح هذا الرقم أكثر دلالة عند مقارنته بحجم الجالية المصرية في الخارج؛ إذ أوضح عزام قائلا: “لدينا ما بين 10 إلى 15 مليون مصري في الخارج، وقد أرسلوا مبلغا قياسيا بلغ 41.5 مليار دولار إلى البلاد في عام 2025”.
ويعزو عزام ذلك جزئيا إلى ارتباط المصريين بوطنهم. ويرى أن الكثيرين يواصلون النظر إلى فترة إقامتهم في الخارج من منظور العودة في نهاية المطاف. وقال: “المصري الذي يسافر إلى الخارج، يضع في اعتباره أنه سيعود يوما ما. وحتى وإن لم يعد، يظل هذا الاحتمال حاضرا في ذهنه”.
تحاول شركة بلد جعل تحويل المبالغ الصغيرة أسهل وأقل تكلفة. فلا تمثل البنية التحتية المصرفية الدولية التقليدية خيارا مجديا اقتصاديا للعمال الذين يرسلون ما بين 100 و300 دولار إلى ذويهم، إذ قد تشكل الرسوم نسبة كبيرة من قيمة التحويل. وقال عزام: “نحن نمثل بديلا لنظام سويفت للتحويلات النقدية صغيرة الحجم المتجهة إلى مصر لتُصرف للمستفيدين والعائلات”.
وتمثل بلد حلقة وصل بين شركات التحويلات النقدية في الخارج والنظام المالي المصري. فبدلا من تشغيل تطبيق آخر لتحويل الأموال موجه للمستهلكين، تربط الشركة المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا المالية المنظمة في الخارج بالحسابات البنكية المحلية ومحافظ الهاتف المحمول وشبكات الدفع النقدي. وتُيسر بلد عمليات الصرف الفوري على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع للحسابات البنكية ومحافظ الهاتف المحمول المصرية، فضلا عن عمليات الصرف النقدي، إذ تضم قائمة شركائها الحاليين لخدمات الصرف النقدي كل من بنك القاهرة وفوري وأمان.
مسار أبسط للتحويلات:
تحاول “بلد” تبسيط المسارات التي تربط بين مقدمي خدمات التحويلات النقدية العالمية ومصر. ففي ظل النموذج التنظيمي السابق، كان يتعين على مقدمي الخدمات في الخارج عموما الحصول على موافقة من خلال بنك راع محلي، وهي عملية يقول عزام إنها قد تستغرق أشهرا أو حتى سنوات. أما نموذج المُجمِّع الذي تعتمده بلد، فيوفر لمقدمي الخدمات الدوليين مسارا للربط من خلال بنيتها التحتية، وذلك شريطة الخضوع للمراجعات والموافقات اللازمة.
تعمل الشركة حاليا على توسيع نطاق هذا النموذج. فقد وقعت اتفاقيات مع أكثر من 20 شريكا دوليا، وتقدمت بطلب للحصول على رخصة مقدم لخدمات الدفع المباشر بموجب نظام التراخيص الجديد للبنك المركزي المصري. وتأتي نحو 75% من التحويلات النقدية الواردة إلى مصر من دول الخليج، إذ تعد السعودية والإمارات من بين أكبر الأسواق المصدرة، في حين تشمل الأسواق الرئيسية الأخرى الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وكندا.
كما تتيح “إي إف جي فاينانس” لشركة بلد منظومة أوسع من الخدمات المالية لتبني عليها أعمالها. واستحوذت الأولى مؤخرا على حصة حاكمة في بلد، في حين احتفظ عزام وعدد من المستثمرين الحاليين بحصصهم، ومن بينهم فيرست سيركل كابيتال وأكاسيا فينتشرز وصني سايد فينتشر بارتنرز.
لكن عزام يرى مساحة أكبر بكثير لنمو سوق التحويلات النقدية في مصر على المدى الطويل. فاليوم، تنتهي الرحلة المالية عادة عندما يرسل المصري المغترب الأموال إلى وطنه لتنفقها أسرته. ويعتقد عزام أن السوق يمكن أن تمنح المصريين في الخارج مستقبلا طرقا أكثر للاحتفاظ بالسيطرة على جزء من هذه الأموال وتوجيهها نحو الادخار والاستثمار.
وتقدم الهند لمحة عما يمكن أن تبلغه هذه العلاقة مستقبلا. إذ يشير عزام إلى تلك الدولة كنموذج لجالية تمتد علاقتها المالية بوطنها إلى ما هو أبعد من مجرد التحويلات النقدية، لتشمل الودائع والاستثمارات. ولم تطور مصر بعد علاقة مماثلة، ما يترك مجالا لجذب المزيد من مدخرات المغتربين إلى النظام المالي المحلي.
وقد يعني ذلك بناء جسر يربط بين التحويلات المالية والاستثمار. يرى عزام إمكانية الانتقال من التحويلات التقليدية إلى مدخرات الطوارئ، وحسابات التوفير، وأذون الخزانة المقومة بالجنيه والدولار، وصناديق المعادن النفيسة، والاستثمار في البورصة المصرية، والتأمين، وصولا إلى منتجات التقاعد. وأضاف: “عليك أن تمنحه إمكانية لفعل شيء أيضا بمبالغ مثل 50 و100 و1000 دولار”. ويبدو أن الحكومة تشارك عزام هذه الرؤية — كما ذكرنا في الخبر السابق.
لكن لا يزال يتعين على مصر المنافسة لجذب هذه الأموال. فالمصريون في الخارج لديهم بالفعل إمكانية الوصول إلى منتجات استثمارية في أماكن إقامتهم، ما يعني أن مصر بحاجة إلى تقديم منتجات تنافسية، والأهم من ذلك، تسهيل الوصول إليها. وقال عزام: “كل هذا يتطلب إمكانية الوصول؛ إذ يجب توفير منظومة تتيح لهم إرسال الأموال ليس فقط بغرض صرفها، بل لاستثمارها أيضا”.
الخطوة التالية:
تستعد شركة بلد لفتح ممر رئيسي آخر للتحويلات المالية. وتقع هذه السوق الجديدة خارج ممراتها الحالية في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية، وسيُعلن عنها فور الحصول على الموافقات اللازمة وتفعيل الممر. وقال عزام: “نعمل على ممر رئيسي للمصريين لا يزال يعاني من نقص في البنية التحتية الرسمية للتحويلات الرقمية”.
المزيد من الشراكات في الطريق:
تقترب بلد من توقيع اتفاقية إطارية مع شركة اتصالات كبرى، لتنفيذ أنشطة تسويق مشترك تهدف إلى جذب المزيد من تدفقات التحويلات إلى القنوات الرسمية.
وبالنسبة لعزام، يظل نمو السوق الرسمية هو المكافأة الكبرى. ويختتم حديثه قائلا: “كل من يعمل في هذه المنظومة يهتم أكثر بتكبير حجم الكعكة بدلا من التنافس مع بعضهم البعض. فإذا نجحنا فقط في توجيه كل الأموال إلى القنوات الرسمية، فلن نحتاج إلى التنافس مع أحد؛ فالسوق كبيرة بما يكفي بالفعل”.










