كلما تصاعدت التوترات في منطقة الخليج، ترتفع أسعار النفط وتتجه الأنظار مباشرة إلى أسعار الوقود. لكن بالنسبة إلى معظم الأسر في الإمارات، ليس البنزين هو العامل الأثقل تأثيراً في الميزانية الشهرية، بل الإيجارات التي شكلت عبئاً على السكان على مدى سنوات. ويؤكد تقرير المراجعة الاقتصادية الفصلية الصادر عن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في يونيو 2026 هذه الصورة، إذ تظل تكاليف السكن المحرك الأكبر للتضخم. ففي أبوظبي، بلغ معدل التضخم 1.4% فقط على أساس سنوي حتى مطلع 2026، في حين ارتفعت تكاليف السكن بنسبة 4.7%. أما في دبي، فكانت الزيادة أكثر حدة، إذ ارتفعت تكاليف السكن بنسبة 7.4%. ومع تأخر صدور البيانات الرسمية بضعة أشهر، فإن هذه الأرقام تتزامن مع بدايات موجة التوتر الأخيرة، لا مع ذروتها. لكن الخبر الإيجابي، كما سنوضح لاحقاً، هو أن هذه الضغوط بدأت أخيراً في الانحسار.
وقالت نغم حسن، محللة أسواق لدى etoro، إن النفط الخام يظل رغم ذلك في صدارة العناوين، لا سيما بعد التقلبات الحادة التي شهدها مؤخراً. فقد ارتفع خام Brent بنحو 25% خلال يوليو مع تصاعد المواجهات واتساع نطاق الاضطرابات من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، قبل أن يتراجع إلى ما دون 84 دولاراً في مطلع أغسطس مدفوعاً بآمال إجراء محادثات سلام. ونظراً إلى أن أسعار الوقود في الإمارات تعكس تحركات النفط الخام بفارق زمني يقارب شهراً، ارتفعت أسعار الوقود بمختلف فئاته في أغسطس، حيث صعد سعر لتر بنزين Special 95 بنسبة 6.08% إلى 3.49 درهم، وفقاً للجنة متابعة أسعار الوقود، وذلك بعد أن شهد يوليو أول تراجع للأسعار في خمسة أشهر.
عادةً ما تكون أسعار الوقود الأسرع استجابةً للتغيرات والأكثر جذباً للانتباه، لكنها تستحوذ على حصة أقل من ميزانية الأسرة مقارنة بالإيجار ونفقات أخرى مثل الغذاء والسلع المنزلية، التي تتأثر بدورها بارتفاع تكاليف الوقود من خلال زيادة مصاريف النقل والشحن. ووفقاً للمراجعة ذاتها الصادرة عن المصرف المركزي، ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات بنحو 4% على أساس سنوي في دبي و1.5% في أبوظبي، وكانت السلع المستوردة الأكثر تأثراً. وعلى المستوى العالمي، هدأت وتيرة ارتفاع الأسعار، لكنها لم تعد إلى مستويات ما قبل الحرب؛ إذ كان مؤشر أسعار الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة في يونيو أعلى بنحو 1.7% مقارنة بالعام السابق، فيما يشير تجار التجزئة إلى أن استقرار الأسعار سيستغرق عدة أشهر. وفي المقابل، يتوقع مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي أن تظل وتيرة ارتفاع الأسعار في الدولة «أقل بكثير من المتوسطات العالمية»، مدعومة بتنظيم أسعار السلع الغذائية الأساسية مثل الأرز والدقيق وزيت الطهي. ومع ذلك، رفع المصرف توقعاته للتضخم في 2026 من 1.8% إلى 2.3%، ما يعني أن المستهلكين لا يُرجح أن يشهدوا انخفاضاً في الأسعار في المدى القريب.
أما الجانب الذي بدأت فيه الأسر تلمس قدراً من الانفراج فهو تكاليف السكن، التي تستحوذ على جزء كبير من ميزانياتها. فعلى مدى سنوات، نما عدد الوافدين إلى الإمارات بوتيرة أسرع من وتيرة بناء المساكن الجديدة، ما دفع الأسعار إلى ارتفاعات حادة في كل من دبي وأبوظبي. إلا أن شركات العقارات تشير الآن إلى دخول أعداد كبيرة من الوحدات الجديدة إلى السوق، ما بدأ يخفف الضغوط على تكاليف السكن. ففي دبي، أظهر مؤشر REIDIN تراجع الإيجارات بنسبة 2.16% على أساس شهري في يونيو وبنسبة 2.55% على أساس سنوي. كما رصدت Cavendish Maxwell إنجاز نحو 24,800 وحدة سكنية خلال النصف الأول من العام، وهو من أعلى مستويات التسليم المسجلة منذ سنوات، مع دخول مشروعات سابقة مرحلة التسليم. أما أبوظبي، فتأتي متأخرة قليلاً في هذا المسار، إذ انخفضت الإيجارات بنسبة 1.79% على أساس شهري، لكنها ظلت أعلى بنسبة 3.61% على أساس سنوي. وفي الوقت نفسه، جرى تعليق جميع زيادات الإيجارات في الإمارة مؤقتاً منذ يونيو.
وبدأت الإيجارات في العقود الجديدة بالفعل في التراجع، إلا أن معظم المستأجرين الحاليين قد لا يلمسون أثر هذا الانخفاض قبل موعد تجديد عقودهم السنوية، حين تتاح لهم فرصة التفاوض على إيجار أقل. وهذا يفسر استمرار بيانات المصرف المركزي في إظهار ارتفاع تكاليف السكن حتى مطلع 2026، رغم أن السوق نفسها كانت قد بدأت بالفعل في تغيير اتجاهها. ويشير المصرف المركزي حالياً إلى تراجع الضغوط المرتبطة بتكاليف السكن باعتباره أحد العوامل التي تدعم توقعاته ببقاء التضخم تحت السيطرة خلال العام الجاري.
وبذلك، فإن أكثر بنود الإنفاق ضغطاً على ميزانيات الأسر بدأ أخيراً في التحول نحو مسار أكثر اعتدالاً، وإن كان ذلك يحدث ببطء وبدرجات متفاوتة. وبالنسبة لمن يستعد لتوقيع عقد إيجار جديد، أصبحت ظروف السوق أكثر ملاءمة للمستأجرين، وقد تمثل الأشهر القليلة المقبلة فرصة جيدة للتفاوض على شروط وأسعار أفضل. أما أسعار الوقود، فستظل عرضة للتقلب تبعاً للتوترات في الخليج، التي يصعب التنبؤ بمسارها، وقد تستمر في تصدر العناوين، لكنها في نهاية المطاف تشكل حصة أصغر من الإنفاق الشهري للأسر. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن جانباً من هذا التراجع في الضغوط لا يعود فقط إلى زيادة المعروض، بل يعكس أيضاً تباطؤاً في النشاط الاقتصادي، ما يجعل هذه الانفراجة مصحوبة ببعض التحفظات.
محللة الأسواق لدى etoro










