يا مصرُ.. يا أرض العادات ويا سفر الحكايات، يا من نسجت من عاداتك تراثا، ومن تراثك حضارة لا تضاهى. يا من ولدت الحضارة من رحم الأصالة، وصنعت من العادة قانونا، ومن القانون هوية، فقد سكنتنا العادة دون استئذان، وتورثناها دون وصية، ما من عادة فيك يا مصر إلا ولها جذر ضارب فى التاريخ، وما من تقليد إلا وله أثر سائر بين الناس. نرددها صباح ومساء، ونفعلها دون أن نسأل: من أين جاءت؟ وهل هى حق أم وهم؟ وهل هى نور أم ظلام؟
تعالوا نغوص فى بحر عاداتنا الأصيلة، نستخرج لؤلؤها المكنون، نفتح صندوق الذاكرة، وننفض غبار السنين، ونعيد لذاكرتنا مجدا كان منسيا.. لنعرف أصل الحكاية، وفصل الرواية
هلموا نفتحُ الصندوقَ القديم، صندوقُ أجدادنا، ونقلبُ في أوراقه الصفراء.
١_ الطربوشُ الأحمر: تاج الأفندية وسر الهيبة المصرية من فاسَ إلى المحروسة….
هو تاجٌ من صوفٍ أحمر، وشرابةٌ سوداءُ كالليلٍ البهيم. لم يولد في اسطنبول كما يظن العوام، بل ولد في أزقةِ فاسَ المغربيةِ في القرنِ السابعِ عشر، حيث كان الصوفُ يُلبدُ ببخارِ الماءِ ويُكبسُ على قالبٍ نحاسيٍ حتى يشمخَ كالمئذنة. رآه البحارةُ العثمانيون فحملوه إلى السلطانِ محمودِ الثاني، فأعجبهُ لأنه يجمعُ بين هيبةِ الشرقِ وأناقةِ الغرب، فأصدر فرمانه الشهير عام ١٨٢٩: “ليكن الطربوشُ زياً للدولة”. وتلقفه محمد علي باشا، فألبسه لجيشهِ النظامي، ثم انتقل من ثكناتِ العسكرِ إلى دواوينِ الأفندية، فصار ميزانَ الرجولة، إذا مال زرُّه يميناً عُرف مزاجُ صاحبه، وإذا استقام عُرف وقاره، حتى خلعه جمال عبد الناصر في ١٩٥٢ ليبقى رمزاً في عمامةِ الأزهرِ وذاكرةِ الوجاهة.
٢_ “صوتُ المرأةِ عورة”.. بين التوراةِ والتأويل:
ما هي بآيةٍ ولا حديثٍ صحيحٍ بهذا اللفظِ الصريح. إنما أصلها يضربُ بجذوره في التلمودِ اليهودي الذي كان ينهى عن سماعِ ترتيلِ المرأةِ أمامَ الرجالِ خشيةَ الفتنة. ثم تسربت هذه الروحُ المتشددةُ إلى بعضِ كتبِ التفسيرِ القديمة، فحُرفت من “الخضوعِ بالقولِ” المنهيِ عنه في القرآن إلى”الصوتِ” كله. والإسلامُ الحنيفُ من ذلك براء، فقد كانت أمُّ المؤمنينَ عائشةُ تعلمُ الرجالَ الحديث، وكانت السيدة زينب رئيسة الديوان والناس تستشيرها فى أمور السياسة، والسيدة نفيسة كانت تدرس الدين فى المساجد وكانت تسمى نفيسة العلم، وكانت النساءُ تبايعُ النبي وتسأله في المسجد، فالصوتُ ليس عورةً، إنما العورةُ في خضوعٍ مقصودٍ ودلالٍ متعمد. فقد دخل اليهود الإسلام فى القرن الأول والثانى من الهجرة ولكن لم يعتنقوه بصدق، ولكن بغرض الحصول على مناصب فى الدولة الإسلامية، ولما اختلطوا بالمسلمين نقلوا بعض الأفكار التوارتية والتلمودية لهم، لأن التلمود محرف وكله إحتكار للسيدات، ولديهم المرأة والشيطان وجهان لعملة واحدة لدرجة أن هناك جملة فى التلمود تقول”خلقت حواء وخلق معها الشيطان”، والجملة الأخرى”صوت المرأة عورة” ونحن أخذنا منهم الكلمة وصدقناها. كيف ذلك ولم تذكر فى القرآن، ولكنها ثقافة ذكورية وليس لها أصل فى الدين.
٣_قائمةُ المنقولاتِ: من “الكتوبةِ” اليهوديةِ إلى “القايمةِ” المصرية.
ويا لها من ورقةٍ تفرقُ ولاتجمع. أصلها يهوديٌ خالصٌ كان يسمى “الكيتوبا” أو “الكتوبة”. كان الرجلُ المصرى إذا تزوجَ من فتاة يهودية، يكتبُ لها وثيقةً يحفظُ فيها حقها في مالها وذهبها إذا طلقها، لأن البنت اليهوديةَ كانت لا ترث. لكن الرجل المصرى المسلم اعترض على ذلك الأسم لذلك حرفت إلى القايمة المتعارف عليها الآن. فأخذت المصريات المسلمات الفكرةَ وصبغوها بصبغةِ المهر، فصار عندنا المهرُ مقدماً ومؤخراً، والشبكةُ رمزُ المحبةِ والذهبُ الذي هو زينةٌ وخزينة هدية واجبة، والقائمةُ التي هي اليومَ بمثابةِ عقدِ أمانةٍ يحفظُ كرامةَ البنت. ثم تطورت من حفظِ الحقِ إلى سلاحِ نزاع، وما أُريد بها إلا حفظُ الود.
٤_ ليلةُ الحناء: حين تلطخت يدُ إيزيسَ بالوفاء…
ليلةٌ حمراءُ بلونِ الدمِ والحب. أصلها فرعونيٌ أسطوريٌ موغلٌ في القدم، من ملحمةِ إيزيسَ وأوزوريس. حين قتلَ ستُ أخاهُ أوزوريسَ ومزقَ جسدهُ إلى أربعينَ قطعةً ونثرها في ربوعِ مصر، لم تجزع إيزيس، بل جمعت الأشلاءَ بيديها، فتلطخت يداها بدمِ زوجها الحبيب حتى أصبحت يدها حمراء من كثرة تراكم وجفاف الدم على يدها. ولكن المصريين عجبتهم الأسطورة الخرافية وأصبحوا يلونوا يد العروسة بالحناء لكى ترمز أن العروسة وفية مثل جدتها إيزيس فصارت الحناءُ الحمراءُ على كفِ العروسِ رمزاً لذلك الوفاءِ الأبدي، ورمزاً للدمِ الذي يربطُ بين قلبين، وتفاؤلاً بالخصوبةِ والولادةِ كما أنجبت إيزيسُ حورسَ بعد الوفاء، وانتقلت عادة الحنة بعد ذلك لباقى دول العالم مثل الهند والسودان.
٥_سبوعُ المولود:
كان الفراعنةَ يعتقدوا أن حاسةَ السمعِ لا تكتملُ عند الطفل إلا في اليومِ السابع، فكانوا يصخبون حولَه بالهونِ النحاسي “اسمع كلام أمك” حتى يوقظوا سمعه. وكانت إيزيسُ نفسها قد احتفلت بمولدِ ابنها حورس في اليومِ السابعِ. وكان رقم ٧ مقدس عند الفراعنة. لذلك قلدهم المصريين واصبحوا يحتفلوا بالمولود ويأتوا بسبع حبوب من كل من الفول، القمح، الأرز، اللوبيا، الحمص، الحلبة، العدس، ثم تدق الحبوب فى الهون وترش على الطفل ومن حوله حتى يكون مبروك ومرزوق ورمزا للوفرة والخير. ويرش الملح حتى يطردوا الارواح الشريرة. وكذلك وضع الطفل فى الغربال حتى يصفى من كل شر حوله، والأم تخطى عليه سبع مرات، والأسطورة تقول فى ذلك، أن هناك إمرأة ذهبت إلى إيزيس وقالت لها أن أبنها لدغة عقرب، وأن أنواع العقارب سبعة، فقامت إيزيس بالتخطية على حورس سبع مرات وكل مرة كانت تقول تعويذة خوفا من العقارب وحماية له من سم من السموم السبعة التى كانت تملأ الوادى، وتمنحه القوة وتعلمه المشى فى الحياة، لذلك جمعنا نحن المصريين كل معلومات الأسطورة فى يوم السبوع.
٦_ الكفُ الأزرقُ والخرزةُ الزرقاء: عينُ حورسَ التي لا تنام…
كان اليهود يقوموا بعمل تميمة على شكل كف أزرق بخمس أصابع وسموه كف مريم على أسم مريم أخت سيدنا موسى وهارون ويكتبوا عليها أدعية وتعاويذ تمنع الحسد والعين، والمسلمون أخذوا نفس الكف وقالوا عليه كف فاطمة بنت النبى عليه الصلاة والسلام.
كفٌ أزرقٌ بعيونٍ خمس، وأصبحنا نخمس فى وجه الأخرين على أساس منع الحسد وهى عدد أيات سورة الفلق، فبدل ما نقول سورة الفلق نقول خمسة فى عينك، ويسميه المسيحيون “كفَ مريمَ العذراء”، ولكن الشيعةُ قالوا أن الخمسة هم “أصحابَ الكساءِ الخمسة”. وهم النبى محمد عليه الصلاة والسلام والسيدة فاطمة وزوجها سيدنا على وأبناؤهم الحسن والحسين، وكل ذلك خرافات لأن الذى أخترع الخمسة وخميسه هم اليهود لأن كلمة خمسة فى العبرية تنطق خمساه، وما هو إلا تطورٌ لعينِ حورسَ الفرعونيةِ التي كانت ترسمُ على المقابرِ لحراسةِ الموتى من الحسد. واللونُ الأزرقُ هو لونُ السماءِ الصافيةِ والماءِ العذبِ، اللونُ الذي تخافهُ الأرواحُ الشريرةُ في الصحراء، فعلقنا على البيوتِ والصدورِ والأطفالِ، خرزةً زرقاءَ تقي من العين.
٧_ عاداتُ الموتِ في الصعيد: من الكرياهِ اليهوديةِ إلى سوادِ الرومان..
يوجد فى الصعيدِ للموتِ طقوسٌ لا تموت. تشقُ النساءُ الثيابَ وتضعُ الطينَ على الرأسِ وتلطمُ الخدود، وهذا أصله يهودى و كان يسميه اليهودُ “الكرياه” أي شقُ الثوبِ حداداً. ويجلسُ أهلُ الميتِ سبعةَ أيامٍ لا يطبخون ولا يشعلون ناراً ويسمى “الشيفا”، عند اليهود، فيرسلُ الجيرانُ الطعامَ، ويتركُ الرجالُ لحاهم ولا يستحمون طوالَ الحداد. أما لبسُ السوادِ، فله روايتان: روايةٌ بدائيةٌ تقول إن الإنسانَ البدائيَ كان يدهنُ جسدهُ بالسوادِ والرمادِ حتى يخوف الأرواح الشريرة التى قتلت الميت حتى لا تقتله، أو تظنهُ الأرواحُ التي قتلت الفقيدَ ميتاً فلا تؤذيه، وروايةٌ تاريخيةٌ فى العصر الرومانى تقول إن المصريين لبسوا السوادَ في عهدِ الإمبراطورِ دقلديانوسَ حين قتل 140 ألفَ مسيحيٍ مصرى فى يوم واحد في مذبحةِ الشهداء، فحزن المصريون ولبسوا الأسودَ حزنا عليهم ولم يخلعوه.
٨_ قهوةُ العزاءِ وأربعينُ الميت:
وأما فنجانُ القهوةِ المرِ في العزاء، فقصتهُ أن عندما جاء العثمانيون مصر جلبوا معهم القهوة لأنها تعمل على إفاقتهم، المصريون عجبتهم القهوة لكن الشيخَ أحمدَ السنباطيَ أفتى عام ١٥٧٢ هجريا بتحريمِ القهوةِ حين ظهرت في مصرَ، فهاج الناسُ مع تجار البن وأصحاب القهاوى، وأدى ذلك إلى حرب فى الشوارع من المتشددين وكادوا يكسروا القهاوى لدرجة أن أحد أصحاب القهاوى تم قتله، فازداد غضب الناس وثورتهم وبحثوا عن الشيخ أحمد السنباطى وحاصروه فى المسجد، وصمموا على إقامة عزاء للقتيل أمام المسجد وتقدم فيه القهوة. حتى تراجعَ الشيخ وأباحها، فصار العثمانيون يشربونها في مجالسِ العزاءِ كي يبقوا مستيقظين متأهبين. ومن يومها وأصبحت عادة.
أما الأربعين، فهو فرعونيٌ صرف، فجسدُ الميتِ كان يحتاجُ أربعينَ يوماً ليكتملَ تحنيطهُ ويصبحَ جاهزاً للبعثِ والخلود، ثلاث أيام ازالة للمخ والأحشاء، ثم تمليح الجثة حتى تنشف ولا تتعفن ويتركوها أربعين يوم فى الملح ثم الدفن، فصار أهلهُ يزورونه بعد أربعينَ يوماً، ثم وصلت إلينا الحدوتة وأصبح طقس مقدس اليوم.
٩_ رمضانُ في مصر.. هلالٌ ومدفعٌ ومسحراتيٌ ومائدة الرحمن وكرتونة رمضان:
رؤيةُ الهلالِ سنةٌ محمديةٌ “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”. أما فى عام ١٥٥ هجريا قال قاضى قضاة مصر أبو عبد الرحمن أبن الهيعه: من الجائز أن يكون الهلال اتولد فى السماء ولم نراه، وصعد إلى جبل المقطم ليرى الهلال هناك، وبذلك أصبح القضاة يصعدوا المقطم يوم ٢٩ شعبان ليروا الهلال هناك ويذهب معهم فوج من الشعب حاملين القناديل”الفوانيس” وإذا ظهر الهلال يعودوا إلى البلد والقناديل مشتعلة، أما إذا لم يظهر الهلال يرجعوا بالقناديل مطفأة، ثم جاء بدر الدين الجمالى وأنشأ مسجد على المقطم كانت المئذنة الخاصة به مرصد هلال رمضان، وظل كذلك حتى جاء العثمانيون وقالوا نعمل مراصد فلكية فى كل أنحاء الأمبراطورية حتى تراقب الهلال وظل ذلك حتى الآن.
أما مدفعُ رمضانَ: كان وليدُ الصدفةِ المحبوبة، حين كان السلطان خوشقدم أول يوم رمضان يجربُ مدفعاً عسكريا جديداً فانطلقَ وقتَ الغروبِ فظنهُ الناسُ إيذاناً بالإفطارِ فأعجبهم، وفى اليوم الثانى لم يسمعوا المدفع فذهبوا إلى زوجته الحاجة فاطمة يسألوها عن ذلك وإنه محبب لديهم حتى أقنعت السلطان واعجبته الفكرة فأصبح مدفعُ الحاجةِ فاطمة، ووضع المدفع فوق القلعة حتى يضرب وقت الإفطار.
أما المسحراتيُ…كانت فكرة المسحراتى فى الإسلام غير موجودة، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب من سيدنا بلالُ بنُ رباحٍ الحبشى أن يؤذن و يطوفُ ليلاً ليوقظَ الناسَ للسحور، ويطلب من عبد الله بن أم مكتوم أن يؤذن قبل الفجر كى تتوقف الناس عن الطعام والشراب، وبعد وفاة الرسول اختفى الموضوع حتى جاء العصر العباسى، كان والى مصر عنبسه بن اسحاق ينزل بنفسه ويطرق الشبابيك ليصحوا الناس، وبعد ذلك ماتت الفكرة حتى جاء الحاكم بأمر الله وكانت الناس تنام فى عهده بعد التراويح لذلك اخترع فكرة المسحراتى قبل الفجر ليوقظ الناس للسحور ومن يومها و المسحراتى موجود وبدل ما كان يطرق الشبابيك اصبح يطرق الطبلة..
أما مائدةُ الرحمنِ بدأها والى مصر أحمدُ بنُ طولونَ عام ٢٧٠ هجريا،حين كان يجمعُ الفقراءَ على مائدته فى وليمة كبيرة فى رمضان يعزم فيها كل أعيان البلد وبعد الفطار قال لهم دعونى أعلمكم حسن البر بالناس، لذلك إلزام عليكم أن يقوم كل فرد منكم بعمل مائدة عملاقة طوال رمضان بها كل ما لذ وطاب، وتم التنفيذ فعلا لدرجة أصبحت الموائد فارغة من الناس نتيجة كثرة عددها. ثم جاء الخليفة الفاطمى العزيز بالله وأصبح يعمل مائدة عملاقة حول مسجد عمرو بن العاص، و كان يخرج من قصره كل يوم ١١٠٠ وعاء طعام، ولكن الظاهر بيبرس اقترح أن يوزع صناديق الطعام على الناس فى بيوتهم، بها لحم وسكر وزيت وأرز بدل من تجميعهم فى الشارع لتكون بذلك أول كرتونة رمضان فى التاريخ.
أما صلاةُ التراويحِ…. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى يوم من أيام رمضان يصلى قيام الليل بمفرده فتجمع حوله الناس ليصلوا خلفه، خاف الرسول أن تظن الناس مع الوقت إنها فرض، فلم يخرج لصلاتها مرة أخرى، فأصبحت الناس تصليها بمفردها فردية أو فى جماعة أو يتركوها أصلا، حتى جاء عمر بن الخطاب وقال لهم نتجمع ونصليها وراء الإمام معا وكانت تسمى قيام الليل، ولأن المصريين كانوا يطيلوا فى الصلاة فكانت الناس ترهق، فأصبحوا يصلوها أربع ركعات ويستريحوا ثم أربعة ويستريحوا، ومن هنا سميت التراويح وأصبحت جزء من ليالى رمضان، وهي نافلةٌ تملأُ المساجدَ نوراً.
١٠_ كسر القلة وراء المسافر:
“اكسر وراه قلة” عادة فرعونية قديمة، كانوا يكسرون الأواني الفخارية وراء المتوفى حتى لا تعود روحه الشريرة، ثم تحولت إلى كسر القلة وراء الضيف الثقيل أو المسافر حتى لا يعود سريعاً.
١١_ رش المياه وراء المسافر:
عكس كسر القلة تماماً! فرعوني أيضاً، كانوا يرشون الماء وراء المسافر أو العريس كرمز للخصوبة والعودة السريعة، فالماء هو الحياة.
١٢_ الشبشب المقلوب حرام:
كل أم مصرية تقولها! أصلها فرعوني، لأن النعل المقلوب كان يرمز لإهانة الإله، وكانوا يعتبرون أن ترك النعل مقلوباً يجلب غضب الآلهة.
١٣_ الفسيخ والرنجة والبيض الملون في شم النسيم:
أقدم عادة على وجه الأرض، عمرها 5000 سنة! الفراعنة كانوا يملحون السمك “البوري” في عيد الربيع “شمو” ليأكلوه كرمز للخصب والحياة بعد التحنيط. وكذلك تلوين البيض فى شم النسيم وهو تقليد مصرى عريق يعود جذوره إلى آلاف السنين عند القدماء المصريين الذين اعتبروه رمزا لبعث الحياة وتجديد الكون.
١٤_ كعك العيد:
ليس عثمانياً، بل فرعوني ثم فاطمي بامتياز فقد وجدت نقوش لكعك العيد في مقابر طيبة، وكان الفاطميون يصنعونه ويوزعونه في العيد ويحشونه بالذهب كهدايا.
١٥_ عروسة وحصان المولد النبوي:
أصلها فاطمي، كان الخليفة الفاطمي يخرج في موكب ومعه عروسة من الحلوى رمزاً للبهجة، والحصان للفارس الشجاع.
١٧_ البخور يوم الجمعة :
عادة فرعونية كانت تسمى “التبخير باللبان” لطرد الأرواح الشريرة، وانتقلت للمسيحية والإسلام كرمز للتطهر والبركة.
١٨_ ثقب الأذن: تميمةُ حورسَ الذهبيةُ التي عمرها 7000 سنة:
ثقبُ أذنِ البنتِ لتعليقِ الحلقِ، فهو أقدمُ عاداتنا على الإطلاق، أقدمُ من الطربوشِ والقايمةِ معاً. أولُ قرطٍ في تاريخِ البشريةِ وجدَ في مقابرِ سومرَ في العراقِ قبل 7000 سنة، ثم سافرَ إلى مصرَ فسكنَ آذانَ الملكات. رأينا نفرتيتي بحلقها الطويلِ يتدلى كالذهبِ السائل، ورأينا توتَ عنخِ آمونَ نفسهُ بأذنٍ مثقوبةٍ يلبسُ حلقاً من ذهب، كان الحلقُ للرجلِ والمرأةِ معاً تاجاً للملوك.
ولم يكن زينةً فقط، بل كان تميمةَ حماية. اعتقدَ الفراعنةُ أن الروحَ الشريرةَ تدخلُ من ثقبِ الأذن، فعلقوا فيها المعدنَ ليحرسها، فصارَ الحلقُ حارساً قبلَ أن يكونَ زينةً.
ومن هنا جاءت عادتنا الجميلةُ التي لا تزالُ حيةً: ما أن تولدُ البنتُ في مصرَ حتى نثقبُ أذنها في سبوعها ونلبسها “البريمةَ” الصغيرةَ، علامةً أن هذه جوهرةٌ محجوزةٌ ومحمية، حتى لا تخطفها الأعينُ والأرواح. وكان العربُ يسمونَ الحلقَ “الشنف”، ومنه “ذاتُ الشنفين”. فهو ذهبٌ خالصٌ من تراثنا، عادةٌ جميلةٌ نحفظها ونفخرُ بها، ونعلقها في آذانِ بناتنا فخراً وحمايةً.
١٩_ النقوطُ في الأفراح:
دفترٌ فرعونيٌ للحبِ والدين، ما هو بجديد، بل هو أقدمُ بنكٍ اجتماعيٍ في التاريخ. كان الفراعنةُ يسمونه “النوقوت”، هديةٌ من الذهبِ أو الحبوبِ تقدمُ للعروسين وتُكتبُ في برديةٍ حتى تُردَ لاحقاً في فرحِ صاحبها. فبقينا نحنُ نفعلها، نظرفُ المالَ في ظرفٍ أبيضَ ونقولُ “نقوط”، وهو دينٌ في رقابنا وودٌ في قلوبنا، يفرحُ به العريسُ اليومَ ويرده غداً.
٢٠_ العروسةُ تدوسُ على رجلِ العريس:
من تعلو قدمها يعلو أمرها، عادةٌ فرعونيةٌ سحريةٌ تضحكُ لها القلوب. كان الكاهنُ يقولُ للعروسين: من تسبقُ قدمهُ قدمَ الآخرِ وقتَ عقدِ الزواجِ تكونُ له الكلمةُ العليا في البيت. فصارت البناتُ يتحينَ الفرصةَ ليلةَ الدخلةِ لتدوسَ على قدمِ عريسها خلسةً، والرجالُ يضحكونَ ويقولون “داست على رجله من أولها”. وما هي إلا لعبةُ محبةٍ، فالبيتُ لا يُبنى بقدمٍ تدوس، بل بيدٍ تحنو.
٢١_ تغطيةُ المرايا في بيتِ الميت.. حتى لا تُحبسَ الروح:
إذا ماتَ الميتُ عندنا غطينا كلَ المرايا بملاءةٍ بيضاء، وما سألنا لماذا. أصلها فرعونيٌ يهوديٌ قديم، اعتقدوا أن المرآةَ تحبسُ روحَ الميتِ فلا تصعدُ إلى السماء، وأن الناظرَ في المرآةِ وقتَ الموتِ يرى ملكَ الموت. فغطوها حتى ترحلَ الروحُ بسلامٍ ولا تفزعَ الأحياء.
٢٢_ البصلةُ على العتبةِ والبيضُ الملونُ في شمِ النسيم:
في فجرِ عيدِ شمو الفرعوني، كان المصريون يعلقونَ البصلَ الأخضرَ على عتباتِ بيوتهم ليطردَ الأرواحَ الشريرةَ برائحتهِ النفاذة، ويلونونَ البيضَ رمزَ الحياةِ الجديدةِ التي تخرجُ من الجماد. فبقينا 5000 سنة نأكلُ البصلَ والبيضَ والفسيخَ في شمِ النسيم، ونظنها مجردَ أكل، وما هي إلا طقسُ بعثٍ وحياة.
٢٣_كفوف الدم على الحوائط بعد الذبح:
أصلها فرعونى. كان الفراعنة يلطخون عتبات بيوتهم بدم الذبيحة في عيد رأس السنة ليمر فوقهم إله الموت ولا يدخل. واليهود أخذوها في قصة خروجهم من مصر “ضعوا الدم على العتبة”. فبقيت عندنا نلطخ الكف بالدم على الحائط أو على السيارة الجديدة خوفاً من الحسد والعين.
٢٤_ رسم الكعبة والجمل على بيت الحاج:
أصلها فرعوني أيضاً! كان الفراعنة يرسمون رحلة الحج إلى أبيدوس على جدران بيوتهم. وعندما جاء الإسلام، استمر المصريون بنفس الروح، فرسموا الكعبة والجمل والطائرة توثيقاً للرحلة وفرحةً وفخراً.
٢٥_ العيدية للأطفال:
أصلها فاطمي خالص. كان الخليفة الفاطمي يوزع الدنانير الذهبية والملابس الجديدة على الأطفال يوم العيد ويسميها “الرسوم” أو “التوسعة”. فصارت عادة مصرية أن الكبير يوسع على الصغير في العيد ليفرح.
٢٦_ تكحيل الأطفال في السبوع:
أصلها فرعوني طبي. الفراعنة أول من اكتشف الكحل من حجر الملاخيت، لم يكن للزينة فقط بل كان دواءً يحمي العين من الذباب والالتهابات، فكانت الأم تكحل المولود في سبوعه ليقوى بصره ويحميه حورس.
٢٧_ زينة رمضان في الشوارع:
أصلها فاطمي وفرعوني معاً. الفراعنة كانوا يزينون الشوارع بالفوانيس في الأعياد، والفاطميون أول من أمر بإنارة القاهرة كلها بالفوانيس والمصابيح في رمضان لاستقباله، فصارت الزينة عادة مصرية خالصة لا توجد في أي بلد آخر بهذا الجمال.
٢٨_ختان الذكور:
من طقوسنا التى لا تموت ..يوم الطهارة وكان يوما مشهودا لا يقل عن السبوع بهجة.يلبس فيها الصغير جلبابا أبيض كالعريس، ويركب حصانا مزينا، وتزغرد النساء، ويحمله أبوه على كتفه وكأنه يحمل رجولته الأولى. لم تكن مجرد عادة طبية، بل كانت إشهارا بأن الطفل صار طاهرا نظيفا، مستعدا للصلاة والمسجد، داخلا فى زمرة الرجال الصغار.كان الفرح بها فرحا بالستر والطهر، لا بالجرح والألم.
٢٩_ رشُ الملحِ في السبوعِ والأفراح.. حربُ الفراعنةِ على الأرواح:
الملحُ عند الفراعنةِ كان سلاحاً مقدساً. كانوا يسمونه “نترات الإله” ويضعونه حول المومياء ليحفظها من التحلل والأرواح. واعتقدوا أن الشيطانَ والعينَ يكرهانِ الملحَ لأنه أبيضٌ نقيٌ لا يفسد.
فجاءت عادتنا: نرشُ الملحَ في السبوعِ حولَ المولودِ ونقولُ “الملحُ والملحُ ما يضرنا غير الشيطان”، ونرشه في الأفراحِ حولَ العروسين، وفي المحلاتِ الجديدةِ صباحاً لطردِ الحسدِ والعين. حتى اليوم، إذا انبهرتِ بشيءٍ تقولين “رشي ملح”.
وهي عادةُ جميلة، فالملحُ فعلاً مطهرٌ طبي، لكننا بالغنا حتى صارَ وهما.
٣٠_ لبسُ الملابسِ بالمقلوبِ خوفاً من الحسد:
أصلها فرعونيٌ سحريٌ أيضاً! كان الفراعنةُ يعتقدون أن الجنَّ والحاسدَ يعرفُ الإنسانَ من هيئةِ ثيابه، فإذا قلبتَ الثوبَ انقلبتَ عليه فلا يعرفك، فيتوهُ الحسدُ ولا يجدك.
ومنها جاءت عادةُ قلبِ الحذاءِ، ولبسِ الفانلةِ بالمقلوبِ للطفلِ المحسود، وتعليقِ الملابسِ الداخليةِ على المرآةِ في بعضِ القرى.
وهي عادةٌ طيبةُ النية، لكنها اليومَ صارت وهماً، فالحسدُ لا يُردُ بثوبٍ مقلوبٍ، بل بذكرِ اللهِ وقولِ “ما شاء الله لا قوة إلا بالله”
٣١_ الكنافة والقطايف فى رمضان:
يعود تاريخ ارتباط الكنافة والقطايف برمضان إلى عدة روايات تاريخية فقد يرى الكثير من المؤرخين أن الفاطميين هم أول من نشروا الكنافة والقطايف في مصر. وكان الخليفة المعز لدين الله الفاطمي يحرص على توزيعها على الصائمين لترسيخ هذا التقليد ، وتُشير روايات أخرى إلى أن الكنافة صُنعت خصيصاً لمعاوية بن أبي سفيان الأموى حينما كان والياً على الشام لتناولها في السحور لتمنع عنه الجوع الشديد.
وهناك عاداتٌ مؤلمة يا سادة، لم تكن زينةً بل كانت وجعاً، ولم تكن فخراً بل كانت قيداً، وقد آن لها إن تموت وتندثر وهى:
١_ ختانُ الإناث.. وهمٌ أفريقيٌ قديم:
ما هو من الإسلامِ في شيء، ولا من المسيحيةِ في شيء. أصله طقسٌ أفريقيٌ قديمٌ وجدَ في مومياواتِ الفراعنة، ظنَ أن الجسدَ يجبُ أن يُهذب. وجاءَ الطبُ الحديثُ ليقولَ كلمته الفصل: إنه أذىً جسديٌ ونفسيٌ بالغ، وجريمةٌ يعاقبُ عليها القانونُ المصريُ اليوم، وقد أفتى الأزهرُ بحرمتهِ إذا ترتبَ عليه ضرر، والضررُ واقعٌ بشهادةِ الأطباء. فلنحمهنَ لا لنؤذهن، ولنسترهنَ بالعلمِ لا بالجرح.
٢_ منديلُ الشرفِ الأبيض:
عادةٌ قبليةٌ بدويةٌ قاسية، جعلت من سترِ البنتِ فرجةً للناس، ومن خصوصيتها مسرحاً للعائلة. أيُ شرفٍ هذا الذي يُعرضُ على منديلٍ أمامَ الأعين؟ الشرفُ في التربيةِ والدينِ والخلقِ القويم، لا في قطعةِ قماشٍ تُرفعُ فتُكسرُ بها نفسُ العروسِ حياءً ورعباً. والحمدُ لله أن كثيراً من عائلاتِ الصعيدِ الأصيلةِ اليومَ تركتها وقالت: بناتنا أغلى من عادةٍ جارحة.
٣_ تقطيعُ جلبابِ العريسِ ومقالبُ الأصدقاءِ ليلةَ الدخلة:
كانوا يقطعون جلبابهُ ويمزقون ثوبهُ ويطرقون البابَ ويتصايحون، يظنونها رجولةً وخفةَ دم، وما هي إلا قلةُ حياءٍ وانتهاكٌ لسترِ بيتٍ جديدٍ بدأ لتوه بالمودةِ والرحمة. يمزقون ثوبهُ كأنهم يمزقون هيبتهُ أمامَ عروسه، فأيُ مرؤةٍ في ترويعِ آمنٍ في ليلةِ عمره؟ ليلةُ الدخلةِ سكنٌ جعلها اللهُ ستراً، فكيف نجعلها سخريةً؟ الحمدُ لله أن المدنَ المتحضرةَ لفظتها، والعائلاتِ الأصيلةَ نبذتها.
وهكذا يا أهل مصر الكرام..فتشوا فى عاداتكم، فما كان منها جميل كزينة رمضان والعيدية والكعك فاحفظوه وصونوه، فهو هويتكم . وما كان منها مؤلما وقاسى كالختان للإناث والمنديل الأبيص ليلة الزفاف وتقطيع الثياب، وطقوس الحداد فى الصعيد، فأقلعوه من جذوره.، فهو ليس تراثا بل جرح قديم يجب أن يندمل ..والحمد لله اختفت هذه العادات بنسبة كبيرة الآن
ويا قارئي العزيز.. هذه عاداتنا.. بعضها أصيلٌ كالنيل، وبعضها دخيلٌ كالطينِ الذي يعلقُ بالثوبِ النظيف. فما كان أصيلاً فلنحفظه، وما كان دخيلاً فلنلفظه. فنحنُ لسنا عبيدَ العادة، بل نحنُ سادةُ المعنى.
والآن أخبرني أنت.. بعد أن قرأتَ أصلَ الحكاية..
أيُ عادةٍ من هذه لا تزالُ تعيشُ في بيتكم إلى اليوم وتفخرُ بها؟
وأيُ عادةٍ صدمتكَ حقيقتها وتمنيتَ لو أننا لم نتوارثها أبداً؟
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
