أستاذ نقد فنون الأداء والعميد الأسبق للمعهد العالي للنقد الفني في أكاديمية الفنون المصرية .
يقدم هذا الإعداد المسرحي للدكتور كمال يونس صياغة درامية مكثفة ومكشوفة الأبعاد لنص من أعقد تراجديدات وليم شكسبير ، حيث يُخرج النص الشكسبيري التاريخي من طابعه الكلاسيكي الثقيل إلى فضاء مسرحي ديناميكي يعتمد الإيجاز ، والمشهدية البصرية النابضة ، والتجسيد الفضائي المباشر للغريزة والصراع النفسي .
يستند الإعداد المسرحي الذي قدمه د. كمال يونس لنص “مكبث” إلى رؤية إخراجية ودراماتورجية واعية بآليات المسرح الحديث ، حيث لم يكتفي بتلخيص الحوارات الشكسبيرية الطويلة ، بل أعاد بناء المشاهد لتتغذى على حركة الإضاءة ، والتشخيص البصري للأفكار ، والتكثيف الإيقاعي الذي يحافظ على جوهر التراجيديا دون إثقال للمشاهد .
أولاً : التجلي البصري والتجسيد الفضائي للغواية
إحدى أبرز نقاط القوة في هذا الإعداد هي تجسيد الصراع النفسي والميتافيزيقي بصرياً على خشبة المسرح .
حضور الساحرات وهيكات كظلال مستمرة ، لم تعد الساحرات مجرد شخصيات تظهر في الكواليس أو البراري ثم تختفي ، بل صُمم الإعداد لتكون هيكات والساحرات “شبحاً يرافق الليدي مكبث” (غرووتش) ويحيط بها في قصرها . هذا التوزيع المسرحي يلغي الفاصل بين الشر الداخلي (النفس البشرية) والشر الخارجي (الماورائيات) “ما وراء الطبيعة” ، لتبدو الساحرات وكأنهن التجلي البصري لطموح الليدي مكبث (غرووتش) وتشوقها للعرش .
التوظيف المسرحي للإضاءة ، أعتمد “د.كمال يونس” بقع الضوء المركزة (Spotlights) ، والظلال ، والألوان الدلالية (الظل الأحمر للإغواء ، البنفسجي للغدر ، الدائرة الصفراء للعزلة والتردد) ، للتعبير عن الحالة الذهنية للممثل . نرى ذلك جلياً في المشهد الثالث من الفصل الأول عند مونولوج مكبث الداخلية ، وحين تنحسر الإضاءة عن باقي الشخصيات أثناء حديث مكبث مع القاتل في حفل التتويج .
ثانياً : بناء الشخصيات وتكثيف الصراع النفسي ،
نجح (يونس) في التسلل إلى أعماق الشخصيات الرئيسية وصياغة دوافعها بلغة عربية مسرحية تجمع بين البلاغة والوضوح .
يبرز الإعداد التدرج لشخصية مكبث من الفارس المحارب المتوجس الذي تخيفه وساوسه ويخفق قلبه بشدة ، إلى المستبد المحاصر بخيالات الدماء . مونولوجات مكبث الداخلية (مثل رؤية الخنجر الموهوم ، أو تأمل الحياة كـ “ظل عابر”) قُدمت بتكثيف ممتاز يوضح لحظة سقوطه في الفخ الشيطاني وتخليه المأساوي عن إنسانيته .
قدم د.كمال الليدي مكبث”غرووس” حوارها بلهجة حادة قاطعة تشحذ همة مكبث وتنسج حوله شباك الطموح . وتتجلى براعة الإعداد في المشهد الخامس من الفصل الثاني ، حيث تُعرض نوبة جنونها وموتها كلوحة تعبيرية مكتملة ، الفستان الأبيض غير المهندم ، التاج الساقط ، اليدان الملطختان بوهم الدم ، ورائحة الموت التي تطاردها حتى تقع ميتة وسط صدى الهلاوس ، مما أضفى عمقاً تراجيدياً لمصيرها .
أصاغ كمال يونس حوار بانكو في هذا الإعداد ليكون ، صوت الضمير والنظير الأخلاقي وخط الدفاع الأنساني الموازي لمكبث . فهو يسمع النبوءات نفسها لكنه يحتفظ بطهارة نيته الخفيفة ، ومشهده كـ “شبح” على المائدة قُدم بإيقاع درامي رائع ومفاجئ يقطع نشوة التتويج ويبسط أثقال الجريمة على الحاضرين .
ثالثاً : التكثيف الإيقاعي والبناء الدرامي ،
تميز الإعداد عند د.كمال بحذف الاستشهادية التاريخية والجانبية التي تتصف بها النصوص الشكسبيرية الأصلية ، مع التركيز على اللحظات المفصلية .
السرعة والإنتقال بالمشاهد ، يتنقل الإعداد عند كمال يونس بسلاسة وحركية عالية ، من نبوءة الساحرات ، إلى تدبير القتل ، ثم إكتشاف الجريمة ، وصولاً إلى حفل التتويج ومواجهة النبوءة العكسية (تحرك الغابة ورجل لم تلده إمرأة) .
تصاعد الخناق الدرامي ، تبدو مشاهد الفصل الثاني وكأنها سلسلة من الإتفاقات المتتالية على رقبة مكبث ، فكلما حاول تثبيت أركان حكمه بسفك المزيد من الدماء (قتل بانكو ، أبناء مكدف) ، كلما تداعت جدران القصر حوله لتتحول الغابة إلى جيش مادي يطارد أوهامه .
رابعاً : البعد الفلسفي والأخلاقي للنص .
يختتم كمال يونس بالرسالة الأبدية لنص شكسبير ، “الطريق إلى العرش الملطخ بالدماء لا يقود إلا إلى الفناء”.
لم يقدم يونس النهاية كمنجز عسكري لمالكولم ومكدف فحسب بل كدرس في العدالة التاريخية ، حيث يوضع التاج على رأس مالكولم المقترن بـ “قواعد العدل والمساواة”، بينما يلقى الطاغية مصيره الحتمي بعد أن أدرك أن خديعة الشيطان كانت تنطوي على معنى مائل ووعود ملغومة .
يُعد إعداد د. كمال يونس لنص “مكبث” نموذجاً ممتازاً للدراماتورجيا التي تحترم روح النص الأصلي وتستوعب في الوقت نفسه متطلبات خشبة المسرح الحديثة . لقد نجح في تقديم عرض مسرحي يتسم بـ التكثيف النصي ، الثراء البصري ، والعمق النفسي ، مما يجعل النص جاهزاً للتجسيد المسرحي بإيقاع حيوي يمس تطلع الإنسان وطموحه الجامح وحتمية العاقبة .









