تتميز القواعد التجارية في الإثبات بالمرونة والسرعة مقارنة بالمواد المدنية، نظراً لحاجة المعاملات التجارية إلى الثقة والسرعة. ويجوز إثبات الالتزامات التجارية أياً كانت قيمتها بكافة طرق الإثبات (بما فيها شهادة الشهود والقرائن والأدلة الإلكترونية) ما لم ينص القانون على غير ذلك.
يلزم مسك الدفاتر التجارية كل تاجر سواء كان شخصًا طبيعيًا أم اعتباريًا، ويعفى من مسك الدفاتر التجارية التاجر الذي لا يزيد رأس ماله على مئة ألف ريال. والمنظم أوجب على التاجر أن يمسك حدًا أدنى من الدفاتر، والاطلاع على الدفاتر التجارية من جانب القاضي هو جائز في جميع الدعاوي، سواء كانت تجارية أم مدنية. وطرق الرجوع إلى الدفاتر التجارية يتم بإحدى الطرق الآتية:
التقديم والاطلاع حسب نظام الدفاتر التجارية، وطرق الرجوع إلى الدفاتر التجارية وفقًا لنظام الإثبات هما: إبراز الدفاتر، أو التمكين من الاطلاع عليها. والتاجر يستطيع أن يحتج على خصمه التاجر الذي يملك ذات القوة في الإثبات، وإذا كان موضوع النزاع غير تجاري، فلا يصح من التاجر الاحتجاج على خصمه من دفاتره.
والمبدأ النظامي أن الشخص لا يصنع دليلًا لنفسه، ولكن تم الخروج على هذا المبدأ في الدفاتر التجارية. المنظم حدد الطريق الذي يكمل به الدفاتر التجارية في مواجهة غير التاجر، وهو اليمين المتممة، ولم يتم ذكر أي من طرق الإثبات الأخرى. ويجوز لغير التاجر أن يثبت عكس ما قدمه التاجر بكافة طرق الإثبات.
والدعوى الذي تقدم بها التاجر وقدم فيها دفاتره التجارية، وكان خصمه غير تاجر؛ يجب فيها أن تكون قيمة المطالبة فيها لا تزيد على مئة ألف جنية أو ما يعادلها. ومن القواعد المقررة أن الشخص لا يجبر على تقديم دليل ضد نفسه، إلا أن في نظام الدفاتر التجارية، ونظام الإثبات، ومثله في القانون المقارن، تم إلزام التاجر بأن يقدم دفاتره التجارية.
يكتسي الإثبات أهمية كبيرة، ذلك أن الحقوق المدعي بها تجرد من كل قيمة إذا لم يقم الدليل على المصدر القانوني المنشئ له، لذلك صدق من قال أن “الدليل هو قوام حياة الحق ومعقد النفع منه”.
وقد حدد القانون المدني طرقا لإثبات هذه الحقوق وقد بين قيمة كل طريقة منها من حيث القوة كما فعل المشرع في المادة 323 من القانون المدني وما بعدها، وأوجب على أطراف الدعوى التقيد بها.
إلا أن المشرع التجاري خرج عن القاعدة التي وضعها القانون المدني في الإثبات بحيث أجاز في التصرفات القانونية التجارية الإثبات بجميع الطرق أو ما يعرف بمبدأ حرية الإثبات في المواد التجارية.
وقد كرست هذا المبدأ المادة 30 من القانون التجاري إذ بعد أن عددت وسائل الإثبات أضافت عبارة” …
أو بأية وسيلة أخرى إذ رأت المحكمة وجوب قبولها”.
وتفيد هذه العبارة أن الإثبات في المواد التجارية حر طليق من أي قيد خلافا لما هو معهود في القانون المدني.
القواعد التجارية في الإثبات في القانون المصري تقوم على مرونة أكبر من القواعد المدنية، وذلك لأن المعاملات التجارية تتطلب السرعة والائتمان والثقة. ويمكن تلخيص أهم القواعد على النحو الآتي:
أولًا: حرية الإثبات في المواد التجارية
الأصل أن المواد التجارية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات، ما لم يوجد نص خاص يقضي بغير ذلك.
فيجوز الإثبات عن طريق:
الكتابة والمحررات. الشهادة. القرائن. الإقرار. اليمين. المراسلات والبرقيات. الفواتير ودفاتر التجار. المستندات الإلكترونية.
البريد الإلكتروني والرسائل الإلكترونية، متى توافرت شروط حجيتها.
أي وسيلة أخرى تصلح لإثبات الواقعة التجارية.
وهذا يختلف عن المواد المدنية التي يضع فيها القانون قيودًا على الإثبات بالكتابة في بعض الحالات.
ثانيًا: دفاتر التجار حجة في الإثبات
الدفاتر التجارية المنتظمة لها أهمية خاصة في المنازعات التجارية.
ويجب التفرقة بين حالتين:
1. النزاع بين تاجرين:
يجوز الاحتجاج بالدفاتر التجارية المنتظمة، وتخضع قيمتها التقديرية للقواعد القانونية وظروف الدعوى.
2. النزاع بين تاجر وغير تاجر:
لا تكون دفاتر التاجر حجة كاملة على غير التاجر لمجرد كونها صادرة منه، وإنما تخضع للقواعد المقررة قانونًا في تقديرها.
كما أن الدفاتر غير المنتظمة لا يستفيد منها التاجر كدليل كامل لصالحه، وإن كان يجوز للمحكمة أن تستخلص منها ما تراه من قرائن وفقًا لظروف الدعوى.
ثالثًا: حجية الفواتير والمراسلات التجارية
الفاتورة، وأوامر التوريد، وإيصالات التسليم، وكشوف الحساب، والمكاتبات التجارية، والمراسلات الإلكترونية، قد تكون من الأدلة المهمة في إثبات المعاملة التجارية. لكن مجرد وجود فاتورة صادرة من أحد الخصوم لا يعني بالضرورة ثبوت الدين أو المديونية بصورة قاطعة؛ وإنما تتحدد حجيتها بحسب قبول الطرف الآخر لها، والتوقيع عليها، وما يرتبط بها من مستندات وقرائن.
رابعًا: الإثبات بالقرائن
تزداد أهمية القرائن في المجال التجاري؛ لأن طبيعة النشاط التجاري تقوم على سرعة التعامل وتعدد المستندات والمراسلات.
فقد تستخلص المحكمة من:
تسليم البضاعة. استلامها دون تحفظ. سداد جزء من الثمن. المراسلات المتبادلة. كشوف الحساب. طلبات الشراء. أوامر التوريد. قرائن تؤيد وجود العلاقة التجارية أو المديونية.
خامسًا: الإثبات الإلكتروني
أصبح للمحررات والبيانات الإلكترونية أهمية كبيرة في الإثبات، مثل:
البريد الإلكتروني. الرسائل الإلكترونية. العقود الإلكترونية. التوقيع الإلكتروني. سجلات الأنظمة الإلكترونية. الفواتير الإلكترونية.
وتكون حجيتها وفقًا للقواعد المنظمة للتوقيع الإلكتروني وحجية المحررات الإلكترونية، مع مراعاة إمكانية التحقق من مصدرها وسلامة محتواها وعدم العبث بها.
سادسًا: لا يجوز للتاجر أن يصطنع دليلًا لنفسه
من القواعد المهمة أن الشخص لا يستطيع أن ينشئ لنفسه دليلًا يحتج به على خصمه بمجرد إرادته المنفردة.
فمثلًا، لا يكفي أن يقوم التاجر بإعداد كشف حساب من جانبه ثم يتمسك به باعتباره دليلًا قاطعًا على مديونية خصمه، ما لم تؤيده عناصر أخرى أو يكون الخصم قد قبله أو اعترف به أو قامت ظروف الدعوى بما يعزز حجيته.
سابعًا: أهمية العرف والعادات التجارية
للعرف التجاري دور مهم في الإثبات وتفسير التصرفات والعقود التجارية، خصوصًا عندما يكون العقد أو التعامل خاليًا من تنظيم تفصيلي لمسألة معينة.
وقد تستعين المحكمة بالعرف التجاري لتحديد:
كيفية تنفيذ الالتزام. مواعيد التسليم. طريقة احتساب العمولات. الأعراف الخاصة بالتعامل بين التجار. تفسير بعض المصطلحات التجارية.
ثامنًا: التمييز بين الإثبات التجاري والإثبات المدني
يمكن تلخيص الفارق الأساسي في العبارة التالية:
الإثبات في المواد التجارية يقوم على مبدأ الحرية، بينما الإثبات في المواد المدنية تحكمه في بعض المسائل قيود شكلية تتعلق بالكتابة والنصاب وغيرها.
لكن حرية الإثبات التجاري ليست مطلقة؛ فقد يشترط القانون الكتابة أو الرسمية أو اتخاذ إجراء معين في بعض التصرفات التجارية، فلا يجوز تجاوز النص الخاص بحجة حرية الإثبات.
نقطة مهمة جدًا في الدعاوى
إذا كانت لديك دعوى تجارية معينة، فمن المهم أولًا تحديد:
هل العلاقة بين تاجرين أم بين تاجر وغير تاجر؟
هل التصرف محل النزاع عمل تجاري أم مدني؟
هل يوجد عقد مكتوب؟
هل توجد فواتير أو كشوف حساب أو مراسلات؟
هل يوجد دفتر تجاري منتظم؟
هل الطرف الآخر أقر بالدين أو تعامل على أساس المستند محل النزاع؟
هل توجد مستندات أو بيانات إلكترونية يمكن الاستناد إليها؟
لأن تحديد طبيعة العلاقة هو الذي يحدد مدى حرية الإثبات وقيمة كل دليل أمام المحكمة.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










