قراءة في حوارالباحث والكاتب المغربي د. جلول قاسمي مع د. أحمد بلخيري أحد رجال المسرح المغربي والعربي نشره موقع المسرح نيوز قدم للحوار بقوله :
والمسرح فرجة تُقدَّم في فضاء مسرحي مغلق أو مفتوح. لكن لكل فرجة طقوسها ووسائلها الخاصة.
وغايتي من تلخيص هذا الحوار الوقوف على أبرز ما جاء فيه من فكر ومفاهيم يجب تناولها بدقة خاصة أن تمس وتصب في واقع المشهد المسرحي بشكل عام .
أولا : جمهور المسرح وحلم بريشت
من وسائل الفرجة المسرحية، وهي أيضا وسيلة أساسية، وبدونها تنعدم الفرجة المسرحية، هي الممثل. الممثل المسرحي لاعب مسرحي في لَعِب مسرحي. واللعب Le Jeu مصطلح مسرحي.
لقد حلم برتولد بريشت بجُمهور مسرحي يشبه جمهور كرة القدم. السبب في ذلك هو أن جمهور المسرح في المسرح الأرسطي سلبي تماما حسب رأي بريشت، ذلك أن هذا الجمهور يتابع الفرجة المسرحية بوعيه وأحاسيسه دون تفاعل معها أي دون تعليق عليها أثناء تقديم الفرجة المسرحية حيث يعم الصمت، لهذا السبب، توجد مصطلحات لها دلالاتها في هذا السياق منها الجدار الرابع.
إن هذا الجدار الرابع الوهمي فاصل بين فضاءين هما الفضاء الذي تجري فيه الفرجة المسرحية وفضاء المتفرجين، هذا الفصل بين الفضاءين في المسرح الأرسطي يجعل المتفرج مندمجا ومتوحدا مع البطل، يسعد لسعادته ويشقى لشقائه. ويحدث في نهاية الفرجة التراجيدية على الخصوص ما سماه أرسطو بالتطهير Catharsis. وعليه، فإن المسرح الأرسطي، وفق الجدول الذي يكشف عن الفروق بين المسرح الأرسطي والمسرح الملحمي “يستهلك فاعلية المشاهد وإرادته” و”يثير في نفس المشاهد مشاعر وعواطف”،أما المسرح الملحمي ف”يجعل المتفرج مجرد شاهد” و”يحمله على اتخاذ موقف”.
اتخاذ موقف من لدن الجمهور هو ما كان يصبو إليه برتولد بريشت، وهذا منعدم في المسرح الأرسطي. اتخاذ موقف مما يجري أمام الجمهور هو ما لاحظ تحقُّقَه بريشت في جمهور كرة القدم. ذلك أن هذا الجمهور يتفاعل مباشرة مع ما يجري في رقعة الملعب استحسانا واستهجانا. لهذا السبب، أعجِب بريشت بهذا الجمهور وأراد أن يكون جمهور المسرح، وجمهور مسرحه على الخصوص، مثله. هذا الجمهور يحافظ على يقظته الفكرية، ولا يتماهى مع البطل أو أحداث المسرحية بل يتخذ مسافة منهما. ويتخذ في النهاية موقفا حرا.
ثانيا: المسرح والتقنيات
سؤال آخر يتعلق بمستقبل المسرح اليوم.. فهل هناك أفق له، في المدى المنظور، وغير المنظور، أم أن الوسائط الجديدة بكل أنواعها وأشكالها ستعمل على تغييبه والحلول محله؟
***حينما نستحضر في الذهن تاريخ المسرح منذ الإغريق إلى اليوم، نجد أنه استفاد من ابتكارات عرفتها البشرية لم تكن موجودة من قبل، أو لم تستعمل في المسرح الإغريقي، يكفي في هذا الإطار استحضار الإضاءة المسرحية. لقد كانت هذه الأخيرة في المسرح الإغريقي طبيعية، لكنها تطورت مع التطور البشري. بفضل هذا التطور، تمت الاستعاضة عن الإضاءة الطبيعية بالشموع بعد اختراع الشمع. ثم عوَّض الكهرباء، حين اكتشافه في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، الشموع والإضاءة بالغاز في بداية القرن التاسع عشر. ليس هذا فحسب، ذلك أن الإضاءة المسرحية غدت جزءا أساسيا في الإبداع المسرحي إذ أضحت جزءا من اللغة المسرحية.
وعوض أن تقضي السينما، التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، على المسرح، استطاع هذا الأخير أن يستثمرها فنيا في البنية المسرحية. كذلك بالنسبة للوسائط الجديدة، لقد تمكن المسرح من الاستفادة منها عوض أن تقضي عليه. فبفضلها صار بالإمكان مشاهدة مسرحيات في الشبكة العنكبوتية داخل المنزل عوض الذهاب إلى المسرح فازداد عدد المشاهدين الافتراضيين، الذي يُضاف إلى المشاهدين المباشرين للعرض المسرحي، هذا رغم أن المسرح هو فن اللقاء الحي المباشر، ورغم أن العرض بواسطة الفيديو أو شاشة التلفزة لا يمكن أن يكون بديلا عن المشاهدة المباشرة. لكن أمام استحالة ذلك، يمكن اللجوء إلى هذا النوع من المشاهدة.
أضف إلى ذلك استفادة الإضاءة المسرحية من الرقميات. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى كتاب “الإضاءة المسرحية [التقنية الرقمية] ” للباحث المسرحي العراقي عماد هادي الخفاجي. في هذا الكتاب بيَّن المؤلف أن الألوان التي يمكن إبداعها من خلال التقنية الرقمية أكثر بكثير من الألوان المعروفة. تُضاف إلى هذا تقنية المابينغ Le Mapping التي استُخدمت في عروض مسرحية مغربية.
بناء على ما سبق، يظهر أن التقنية الرقمية والوسائط المعاصرة لم تقض على المسرح، بل بالعكس، جعلته يستفيد منها، ويطوِّر أدواته مواكبة للعصر. علاوة على ذلك، هناك إمكانية تخزين العروض المسرحية، وهذا لم يكن متاحا قبل ظهور هذه الوسائط. زد على ذلك، إمكانية عقد مهرجان مسرحي أو ندوة مسرحية عبر الشبكة العنكبوتية (أون لاين On Line). وهذا مفيد جدا من ناحيتين، من ناحية تقليل المصاريف والجهد، ومن ناحية توسيع قاعدة المتابعة والمشاهدة. مهرجان أو ندوة من هذا النوع لا يبقيان حبيسي الفضاء حيث يكون المهرجان أو تنعقد الندوة.
ثالثا : المسرح الجامعي
المسرح الجامعي”، وفق الصيغة الموجودة الآن حيث تتولى إدارة الكلية أو الجامعة الإشراف على المهرجان فإن هذا المسرح لم يُقدِّم فعلا نموذجا ممتدا في الزمان. السبب في ذلك، في ما يبدو لي، هو أن الطلبة ممارسي هذا المسرح هواة وقد تنحصر علاقة بعضهم بالمسرح في الجامعة، وحتى الطلبة الذين يكونون يتابعون دراستهم في معهد متخصص، فإنه قد لا يكونوا قد اكتسبوا صفة الاحتراف بعد، وقد يكون العكس.
هذا من جهة، ثم إن الأستاذ المؤطر لعروض هذا المسرح هو قبل كل شيء أستاذ باحث مهمته التدريس والإشراف على الرسائل الجامعية، وليس متخصصا في الإخراج المسرحي. بناء على هذا، يمكن القول إنه هو أيضا، من هذه الناحية، هاو. وإذن فهذا النوع من المسرح يمكن اعتباره أحد أنواع مسرح الهواة مثل المسرح المدرسي على سبيل المثال. ولأن المرحلة الطلابية محدودة في الزمن، فإن النتيجة هي عدم تقديم نموذج محدد المعالم والسمات والبنية المسرحية عموما.
لكن رغم ذلك، فإن المسرح الجامعي يتيح للطلبة، وغيرهم ممن لهم صلة به، التعرف على أساليب مسرحية متنوعة سواء كان المهرجان وطنيا أم دوليا. هذا علاوة على الندوات الفكرية والوَرَشات الفنية المصاحِبة للمهرجان التي لا يمكن إنكار فائدتها أيضا وعلى صعيد النقد المسرحي.










