فِي لُعْبَةٍ سِيَاسِيَّةٍ قَذِرَةٍ تَقُودُهَا الْإِدَارَةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ، رَفَعَتْ وَاشِنْطُنُ مُسْتَوَى التَّعَاوُنِ الدِّفَاعِيِّ وَالْأَمْنِيِّ مَعَ إِثْيُوبْيَا إِلَى مَرْتَبَةِ “الشَّرَاكَةِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ الشَّامِلَةِ”.
يَأْتِي هَذَا التَّطَوُّرُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُصَعِّدُ فِيهِ أَدِيس أَبَابَا مَوْقِفَهَا ضِدَّ مِصْرَ فِي مَلَفِّ نَهْرِ النِّيلِ، مُعْلِنَةً بِوُضُوحٍ صَارِخٍ: “سَنَبْنِي سُدُودًا جَدِيدَةً، وَلَنْ نَأْخُذَ إِذْنًا مِنْ أَحَدٍ”.
هَذِهِ الْخُطْوَةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ لَمْ تَكُنْ مُفَاجَأَةً؛ فَالْعَلَاقَاتُ بَيْنَ وَاشِنْطُنَ وَأَدِيس أَبَابَا تَشْهَدُ تَقَارُبًا مَحْسُوسًا، تَبَلْوَرَ فِي اجْتِمَاعَاتٍ رَفِيعَةِ الْمُسْتَوَى بَيْنَ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْإِثْيُوبِيَّةِ وَمُسَاعِدِ وَزِيرِ الْخَارِجِيَّةِ الْأَمْرِيكِيِّ لِلشُّؤُونِ الْأَفْرِيقِيَّةِ، لِبَحْثِ التَّعَاوُنِ الْأَمْنِيِّ وَالِاسْتِثْمَارِ فِي “الْمَعَادِنِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ الْإِثْيُوبِيَّةِ”.
تُوَاجِهُ وَاشِنْطُنُ أَزْمَةً حَادَّةً فِي تَأْمِينِ العَنَاصِرِ النَّادِرَةِ اللَّازِمَةِ لِلصِّنَاعَاتِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ الحَيَوِيَّةِ كَالرَّقَائِقِ وَالبَطَّارِيَّاتِ، مَعَ فَرْضِ الصِّينِ قُيُودًا عَلَى تَصْدِيرِهَا؛ مِمَّا دَفَعَ الأَمْرِيكِيِّينَ إِلَى التَّوَسُّعِ فِي إِفْرِيقْيَا، وَجَعْلِ إِثْيُوبْيَا مَحَطَّ رِهَانِهِمْ.
لَكِنَّ الْخَطَرَ الْحَقِيقِيَّ يَكْمُنُ فِي التَّوْقِيتِ، فَبَيْنَمَا تَتَقَارَبُ وَاشِنْطُنُ مَعَ أَدِيسَ أَبَابَا، يُصَعِّدُ الْمَسْؤُولُونَ الْإِثْيُوبِيُّونَ خِطَابَهُمُ الِاسْتِفْزَازِيَّ ضِدَّ الْقَاهِرَةِ.
فَقَدْ أَعْلَنَ وَزِيرُ الْمِيَاهِ وَالطَّاقَةِ الْإِثْيُوبِيُّ، هِبْتَامُو إِتِيفَا، أَنَّ بِلَادَهُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ مِنْ أَيِّ دَوْلَةٍ لِاسْتِغْلَالِ مَوَارِدِهَا، وَأَنَّهَا كَمَا بَنَتْ سَدَّ النَّهْضَةِ دُونَ مُوَافَقَةِ دُوَلِ الْمَصَبِّ، فَمِنْ حَقِّهَا بِنَاءُ سُدُودٍ جَدِيدَةٍ، مُؤَكِّدًا أَنَّهُ “لَا إِدَارَةَ مُشْتَرَكَةَ لِلسَّدِّ، وَلَنْ يُحَدِّدَ أَحَدٌ كَيْفِيَّةَ تَشْغِيلِهِ”.
أَيْنَ هَذَا مِنْ تَصْرِيحَاتِ تْرَامْبَ الَّتِي أَقَرَّ فِيهَا بِأَنَّ مِصْرَ تَعَرَّضَتْ لِلظُّلْمِ فِي مَلَفِّ السَّدِّ، وَعَرَضَ وَسَاطَةَ بِلَادِهِ؟ الحَقِيقَةُ العَارِيَةُ هِيَ أَنَّ وَاشِنْطُنَ تَسْتَغِلُّ مَلَفَّ المِيَاهِ كَأَدَاةِ ضَغْطٍ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ لِإِخْضَاعِ القَاهِرَةِ فِي مَلَفَّاتٍ إِقْلِيمِيَّةٍ حَسَّاسَةٍ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا رَفْضُ مِصْرَ الصَّارِمُ لِمُخَطَّطَاتِ تَهْجِيرِ الفِلَسْطِينِيِّينَ أَوْ نَزْعِ سِلَاحِ الْمُقَاوَمَةِ.
مَارَسَتْ مِصْرُ سِيَاسَةَ “التَّطْوِيقِ الدِّبْلُومَاسِيِّ”؛ فَقَوَّتْ حُضُورَهَا فِي القَرْنِ الإِفْرِيقِيِّ، وَتَوَسَّعَتْ عَسْكَرِيًّا فِي الصُّومَالِ، وَتَقَارَبَتْ مَعَ إِرِيتْرِيَا، وَسَاهَمَتْ فِي مَشَارِيعَ تَنْمَوِيَّةٍ مِثْلِ سَدِّ “جُولِيُوسْ نِيرِيرِي” فِي تَنْزَانْيَا لِتُؤَكِّدَ دَعْمَهَا لِلتَّنْمِيَةِ. لَكِنَّ التَّحَرُّكَ السِّيَاسِيَّ وَحْدَهُ لَمْ يَعُدْ كَافِيًا.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ: مَاذَا لَوْ فَشِلَ الِاحْتِوَاءُ الدِّبْلُومَاسِيُّ وَأَعْلَنَتْ إِثْيُوبْيَا بَدْءَ بِنَاءِ سَدٍّ ضَخْمٍ جَدِيدٍ عَلَى النِّيلِ الأَزْرَقِ لِتَفْرِضَ أَمْرًا وَاقِعًا جَدِيدًا؟ هَلْ تُوَاصِلُ مِصْرُ الرِّهَانَ عَلَى الضَّغْطِ الدِّبْلُومَاسِيِّ وَالأَزَمَاتِ الإِثْيُوبِيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ؟ أَمْ أَنَّ الحِسَابَاتِ سَتَتَغَيَّرُ لِتُصْبِحَ الخِيَارَاتُ العَسْكَرِيَّةُ هِيَ الحَسْمَ؟
لَقَدْ أَثْبَتَتِ التَّحَوُّلَاتُ الدَّوْلِيَّةُ الْأَخِيرَةُ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ لَا يَفْهَمُ إِلَّا لُغَةَ الْقُوَّةِ. سَقَطَتِ الْأَقْنِعَةُ عَنْ شِعَارَاتِ “الْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ” وَ”حُقُوقِ الْإِنْسَانِ”، وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا أَدَوَاتٍ لِتَبْرِيرِ الْهَيْمَنَةِ وَإِسْقَاطِ الدُّوَلِ.
فِي هَذَا العَصْرِ، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَكَانٌ لِلضَّعْفِ. كَفَى رِهَانًا عَلَى صَبْرٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ يَرَاهُ الخُصُومُ تَرَدُّدًا.
القُوَّةُ، وَإِظْهَارُ الرَّادِعِ العَسْكَرِيِّ، وَفَرْضُ الخُطُوطِ الحَمْرَاءِ بِحَزْمٍ، هِيَ السَّبِيلُ الوَحِيدُ لِحِمَايَةِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ المِصْرِيِّ؛ فَالْمَسَاسُ بِمِيَاهِ النِّيلِ قَضِيَّةُ وُجُودٍ لَا تَقْبَلُ المَسَاوَمَةَ.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)








