في حجرة يكسوها الصمت إلا من طقطقة عقارب الساعة المعلقة علي الحائط ، كان “عمر” يزرع الغرفة بخطواته ذهاباً وإيابا . كل دقة كانت تقتطع جزءاً من رصيد صبره ، وتترك في صدره وهجاً من الخوف والشوق . غداً هو الموعد ، غداً يلتقي بـ “مريم” بعد سبع سنوات من الفراق والجفاء ، سنوات كتب عليه أن يخوضها كأنها ليل طويل لا آخر له ، يتغذى فيها على أطياف الذكريات وأحلام اللقاء .
جلس على طرف السرير ، ووضع يديه بين ركبتيه ينظر إلى كفيه الراجفتين . كان يعيش صراعاً طاحناً بين أمل يضيء عتمة عينيه ، وخوف نهش فؤاده من المجهول . الشوق يحرقه كالجمر ، يتمني إنتهاء الفجر كي يعجل بالاقتراب ، لكنه في الوقت ذاته كان يهاب ذلك الغد ، ماذا لو تغيرت نبرة صوتها ؟ ماذا لو قتلت البرودة حرارة تلك اللهفة التي حفظها في قلبه طوال السنين ؟ ماذا لو كانت ظنونه مجرد أوهام صنعها طول الرجاء ؟ هكذا كان يحمل في أعماقه حرارة الشوق وعذاب الشك ، يستوي عنده النعيم والعذاب ما دام الأمل باللقاء حياً .
قام إلى مكتبه القديم ، وفتح درجاً سرياً ليخرج منه دفتر مذكراته الصفراء ورسائلها القديمة . لم تكن مريم بالنسبة له مجرد إمرأة أحبها في صباه ، بل كانت الفكرة التي يقرأ بها كتاب هذا العالم ، والليالي التي عاشها ، والبصر الذي يبصر به جمال الوجود ، كانت سماء عمره وقمرها الدافئ . مسح بأطراف أصابعه على خط يدها في إحدى الرسائل ، وتذكر الأيام التي ظن فيها أن حياته قد توقفت ، والتحديات العاصفة التي فرقتهما ، لكنه يدرك الآن أنه لولا طيفها العالق بأحلامه لما ألقى بالاً لكل ما مر به من وجع وخدوش تركها الزمان .
مع أول خيط من نور الصباح ، أرتدى معطفه وشاله الصوفي الذي غزلته له قديماً . خرج إلى محطة القطار القديمة ، حيث أتفقا على اللقاء . كانت الأرض مبتلة بقطرات الندى ، وخطاه ثقيلة ترتجف مع كل صفير قطار يعلن وصول مسافرين جدد . وقف على رصيف المحطة ، والزحام من حوله يضج بأصوات الباعة والمودعين ، لكنه كان غائباً عن هذا الكون ، ينادي إسمها في سره بأعذب ألحان الحنين والدعاء ، يتأمل الوجوه العابرة بحثاً عن وجهها .
وفجأة ، ترجلت إمرأة من إحدى عربات القطار المنتصفة .
توقفت حركة الكون في عينيه ، واختفت كل الأصوات حوله . كانت هي ، ترتدي الشال ذاته وتلتفت بحثاً عنه بلهفة . تبددت كل مخاوف الليل ووساوسه في لحظة واحدة حين التقت أعينهما ، أهلت فرحة القرب لتغسل كل سنوات الإنتظار المضنية . أقتربت منه بخطوات مترددة ، ثم أبتسمت إبتسامة أختصرت كل الأجوبة التي طالما خشيها ، وسالت دمعة دافئة على خدها أذابت كل ما كان بينهما من قسوة الأيام .
تقدم نحوها ومد قلبه قبل يده ، وحين تلامست أيديهما ، شعر بأن العالم كله قد رد إليه . أدرك في تلك اللحظة أن الماضي بكل آلامه وذكرياته المظلمة قد تولى ولا لوم عليه ، وأن الغيب المجهول لا مكان له في قلبهما بعد الآن . لم يعد يكترث بما قد يأتي به الغد أو لا يأتي ، فالحاضر الزاهر الذي يجمعهما الآن هو الجنة الحقيقية ، وهو أحلى وأجمل من كل ما قد يخبئه الغيب . اتلامست أناملهما الدافئة ، ثم اشتبكت الأصابع في عناق طال إنتظاره ، عناق أعاد ترميم كل ما انكسر في الروح طوال سنوات الغياب . أمتدت يده لتقبض على يدها برفق ، لا لمجرد الإمساك بها ، بل ليثبت لنفسه أن الحلم قد تجسد أخيراً حقيقة ملموسة بين يديه .
استدارا معاً وغادرا رصيف المحطة بخطوات بطيئة وهادئة ، تحررت من ثقل الزمان وكثافة المكان . لم تعد أقدامهما تخطو الأسطح الحجرية المبتلة بالندى ، بل كانا يسيران بخفة وكأنهما يتحسسان أطراف السحاب ، محلقين في فضاء خاص بهما ، ينفصلان فيه عن صخب المحطة وزحام العابرين ، وكأن الجاذبية ذاتها قد رفعت أحكامها إكراماً لهذا اللقاء .
وعلى أمتداد تلك الخطوات الهادئة ، ساد بينهما صمت مهيب ، صمت لم يكن عجزاً عن الكلام ، بل أستغناءً عنه ، فقد دار بين عينيهما حوارا كاشفاً لم تحتاج فيه المشاعر إلى وساطة الأحرف.
نظرت “مريم” إلى عينيه بنظرة عميقة سابحة ، وسالت فيها ذكريات سبع سنوات من الفراق ، حكت له فيها دون لسان عن وحشة الليالي التي استبدت بها ، وعن الصبر الذي ترممت به أمام عواصف الأيام ، وعن طيفه الذي كان يزورها كلما أظلم العالم في وجهها .
وفي المقابل ، جاءت ردود عينيه كأنها أبتهالات دافئة ، أرسل لها بنظراته حكاية الساهر الذي أنتظر رحيل الفجر على أحر من الجمر ، وحجم الشكوك التي نهشت قلبه قبل ساعتين فقط ، وكيف تهاوت كل تلك الوساوس بمجرد أن أطل وجهها . كانت عينان تبثان عتاباً رقيقاً على السنوات التي ضاعت ، وأخرى تجيبان بوفاء لم تزده الأيام إلا صلابة .
تبادلا رسائل الشوق ، والألم ، والحنين ، والغفران، في لغة عيون كانت أبلغ وأصفى من كل ما تكتبه اللغات . ومع كل خطوة يسيرانها فوق سحاب فرحتهما ، كانت الأصابع تشتد وثاقاً ، والعينان تغزلان وعداً أبدياً بأن ما مضى من العذاب قد غفر ، وأن الحاضر بينهما هو المستقر والأمان .










