ويوفر ساحل “هرمز” الوعر مخابئ كثيرة للصواريخ الإيرانية الموجهة بدقة والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية، التي تستطيع تهديد السفن باستخدام تكتيكات اضرب وانسحب “الكر والفر” التي يستحيل القضاء عليها بصورة حاسمة؛ وتستطيع إيران إنتاج مثل هذه الأسلحة بكلفة منخفضة وإلى أجل غير محدد، ما يجعل خطر الهجوم الإيراني خطرا ملازما لعبور هرمز، لا يمكن حتى لاتفاق يتم التفاوض عليه مع طهران أن يزيله؛ أحجمت شركات الشحن الخاصة عن تعريض أطقمها وحمولاتها للخطر في ظل غياب ضمان أمني كامل، وهو ما أتاح لإيران خفض حركة الملاحة من دون الحاجة إلى مهاجمة كل سفينة تحاول العبور؛ وحتى مع المساعدة العسكرية الأمريكية، التي استنزفت مخزونات الذخيرة وأرهقت البحرية، لم يعبر المضيق من دون موافقة إيرانية صريحة سوى نحو خمسة ملايين برميل من النفط يوميا، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يوميا قبل الحرب؛ وعلى المدى الطويل، فإن العمليات التي تقودها الولايات المتحدة لتمرير النفط خلسة عبر هرمز ستعرّض حياة أمريكيين للخطر وتحمّل دافعي الضرائب الأمريكيين أعباء إضافية؛ ومن حق الرأي العام الأمريكي أن يتشكك في جدوى تمويل وصول مجاني لدول لا ترغب في المساعدة على فتح المضيق.
حالة شبة الإغلاق والرسوم
في حين يمكن لهذه الدول أن تدفع بنفسها رسوم العبور؛ من الناحية المالية، تمثل رسوم العبور صفقة أفضل للولايات المتحدة وللعالم من استمرار حالة شبه الإغلاق في المضيق لفترة طويلة؛ وعلى الرغم من أن صمود أسواق النفط العالمية في الآونة الأخيرة فاجأ كثيرين، فإن العجز اليومي في الإمدادات، الذي وصل إلى 14 مليون برميل يوميا في ذروة الحرب، استنزف بشدة المخزونات العالمية من النفط الخام والمنتجات النفطية؛ وقد أدى ذلك تدريجيا إلى استنفاد الاحتياطيات التي أبقت أسعار النفط مرتفعة بصورة محدودة فقط مقارنة بمستويات ما قبل الحرب؛ وإذا أدى الصراع حول هرمز إلى قفزة في أسعار النفط، فقد تكون الأضرار الاقتصادية جسيمة، ولا سيما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي يعتمد اقتصادها على النفط بدرجة أكبر بكثير من اقتصادات قوى عظمى أخرى مثل روسيا والصين.
ومهما كانت الضرائب المفروضة على المرور عبر هرمز محرجة للولايات المتحدة وللسيد ترامب شخصيا، فإن تحويل المرور الآمن إلى مصدر للدخل من شأنه أن يشجع إيران على السماح بعبور أكبر عدد ممكن من السفن حتى تتمكن من تحصيل مزيد من الرسوم؛ وإذا أصبحت إيران تعتمد على الإيرادات المتأتية من إدارة المضيق، فإن إغلاقه مستقبلا لأسباب سياسية سيصبح أكثر صعوبة؛ وتجري إيران بالفعل محادثات مع عُمان بشأن مستقبل المضيق؛ ويمكن للإشراف المشترك على الممر المائي أن يعزز التعاون الإقليمي ويدفع إيران إلى إظهار قدر أكبر من المسؤولية من خلال تخفيف حدة خطابها وسلوكها؛ وقد يسمح ذلك في نهاية المطاف لإيران بالعودة إلى المجتمع الدولي، بما يمنحها اعترافا من شأنه أن يجعل من الأسهل عليها التخلي عن برنامجها النووي، الذي يؤدي وظيفة مصدر بديل للهيبة والمكانة.
وسيفيد فرض رسوم على العبور إيران ماليا، لكن حتى التقديرات الأعلى لهذه الإيرادات ستظل غير كافية لتعويضها عن الأضرار التي لحقت بها، والتي بلغت 270 مليار دولار نتيجة الحرب؛ فإذا جمعت إيران ما بين 6 مليارات و14 مليار دولار سنويا من رسوم العبور، كما تشير بعض التقديرات، فقد يستغرق الأمر قرابة 20 عاما حتى تعوض خسائرها من الحرب؛ وخلال هذه الفترة، ستؤدي تحولات السوق إلى تقليص أهمية هرمز، مع قيام الدول المصدرة في المنطقة ببناء خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، ومع تراجع الطلب على النفط نتيجة التحول نحو السيارات الكهربائية؛ نعم، إن السماح لإيران بالسيطرة على هرمز سيشكل سابقة سيئة، وقد يشجع دولا أخرى تقع بمحاذاة الممرات البحرية الضيقة والحيوية على محاولة فرض سيطرتها عليها.
جغرافيه “هرمز” وعلماء الإجتماع
لكن ما يحدث في هرمز سيظل، على الأرجح، محصورا في هرمز؛ إذ لا يوجد ممر مائي آخر يماثله من حيث جغرافيته الفريدة وأهميته للسوق في نقل نفط الخليج الفارسي؛ ولا يستطيع الحوثيون المتمركزون في اليمن واقعيا استنساخ التجربة الإيرانية في هرمز، لأنهم لا يسيطرون إلا على جزء من ساحل البحر الأحمر، كما أن قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة وأنظمة الاستهداف لديهم أقل تطورا بدرجة كبيرة من نظيراتها الإيرانية؛ وقد أدت حملة الحوثيين ضد الملاحة في البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025 إلى انخفاض حركة العبور، لكن كميات كبيرة من البضائع استمرت في المرور عبر الممر؛ كما أن معظم هجمات الحوثيين لم تتسبب إلا في أضرار محدودة أو لم تتسبب في أضرار على الإطلاق؛ وكان لدى شركات الشحن أيضا مسار بديل قابل للتطبيق وهو إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف تكاليف وقود هامشية تبلغ نحو مليون دولار فقط لكل سفينة.
ووفقا لعلماء اجتماع بارزين، فإن كل أشكال الضرائب هي، في جوهرها، نوع من الابتزاز مقابل الحماية؛ ويبين التاريخ أن الجهات القادرة على توفير الأمن، أو التهديد بعواقب، داخل منطقة جغرافية ما، غالبا ما تفرض سلطة سياسية وضرائب على تلك المنطقة؛ وقد أظهرت إيران بالفعل أنها تتمتع بقدر كبير من السيطرة على هرمز؛ لا شيء من هذا يمثل الوضع الأمثل بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ لكن كلما أسرعنا في قبول هذا الواقع الجديد، كان ذلك أفضل للمستهلكين وللاقتصاد العالمي وللاستقرار الإقليمي؛ وربما تؤدي عواقب استمرار السلطة الإيرانية على مضيق هرمز إلى ردع رؤساء الولايات المتحدة في المستقبل، أو السيد ترامب نفسه، عن شن حروب محفوفة بالمخاطر وغير ضرورية.
وإلى لقاء أخر باذن الله.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية









