يبدو أن الالتحاق بكليات الطب يزداد صعوبة في مصر. فقد أعلن وزير التعليم العالي عبد العزيز قنصوة رسميا ارتفاع الحد الأدنى للقبول بكليات الطب البشري في الجامعات الحكومية إلى 94.06%، مقارنة بنحو 93.12% في العام الماضي. وشهدت التخصصات الطبية الأخرى ارتفاعا مماثلا، فبلغ الحد الأدنى لكليات طب الأسنان 93.28%، والعلاج الطبيعي 92.34%، والصيدلة 92.03%.
الآلية وراء تقليص الأعداد:
صرح مسؤول حكومي بأن رفع الحد الأدنى للقبول بنسبة 1% فقط يقلص أعداد الطلاب المقبولين بنحو 10%. وأوضح المسؤول أن رفع الحد الأدنى للتنسيق هذا العام أُقرت خصيصا لتلبية مطالب نقابة الأطباء وتوصية اللجنة الحكومية المشكلة لدراسة تكدس الخريجين في هذه البرامج وتشبع سوق العمل. ويمثل هذا الارتفاع في الحد الأدنى خفضا للمقاعد في حد ذاته، وهو قيد التنفيذ بالفعل هذا العام، وليس مجرد أثر جانبي لزيادة المنافسة.
تذكر: تشهد الحدود الدنيا للقبول بالجامعات المصرية ارتفاعا مطردا، وذلك في إطار مساعي الدولة لضبط مخرجات التعليم العالي بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وقد سلطت نشرة “إنتربرايز”الاقتصادية الضوء على جانب من هذا التفاوت خلال الشهر الماضي، حينما أطلقت وزارة التعليم العالي إحصاء لرصد أعداد حملة الدرجات العلمية العليا ومعدلات توظيفهم. وما نشهده من قفزة في التنسيق هذا العام ليس سوى انعكاس للمشكلة ذاتها عند بوابة القبول الجامعي بدلا من مرحلة ما بعد التخرج.
الجامعات الخاصة هي الأخرى ترفع الحد الأدنى أيضا:
قال رئيس جامعة بدر مصطفى كمال لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية إن “خفض أعداد المقبولين في الكليات الطبية يرتبط بعدة عوامل، من بينها ارتفاع أعداد الخريجين، والحفاظ على جودة التعليم والتدريب، ومدى قدرة سوق العمل المحلي على استيعاب هذه الأعداد.
كما أوضح أن الهدف من ذلك هو تقديم خدمات تعليمية أفضل وتخريج أعداد تتماشى مع احتياجات سوق العمل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدرة مصر على توفير كوادر طبية يمكنها العمل بالخارج وجلب العملة الصعبة. وأضاف كمال في حديثه مع إنتربرايز أن الوصول إلى توازن حقيقي قد يستغرق نحو خمس سنوات، بالنظر إلى الطاقة الاستيعابية لقطاع الرعاية الصحية وسلسلة المستشفيات الجديدة التي ستحتاج إلى خريجين طبيين. وأضاف أن التكليف الحكومي أصبح مرتبطا حاليا بالاحتياجات الفعلية للجهات الصحية والمحافظات، “وليس وفق نظام التكليف الشامل السابق”.
مصر خلقت فائضا في أعداد الأطباء:
أوضح المسؤول الحكومي لإنتربرايز أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور بطالة مقنعة — أي توظيف أعداد تفوق الحاجة الفعلية للقطاع — بين خريجي كليات الطب، إذ أرجأت الحكومة تكليف ثلاث دفعات متتالية من الأطباء في ظل تخفيضات الموازنة. ودفع هذا التأخير بعض الخريجين للسفر إلى الخارج أو العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم، مما يعني إهدار الدولة لجزء من العائد على استثماراتها في تدريبهم. وأضاف المسؤول: “سنويا كنا نشهد تخرج ما بين 9 و10 آلاف طبيب من مختلف التخصصات، إلا أن تنامي أعداد كليات الطب الخاصة والتوسع في الجامعات الأهلية، أسهم في ارتفاع هذا العدد إلي 15 ألف ومرشح العامين المقبلين ليسجل 25 ألف طبيب”.
كليات الصيدلة تواجه مشكلة مماثلة:
في تعليقه لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية، قال عبد الناصر، رئيس لجنة قطاع الدراسات الصيدلية بالمجلس الأعلى للجامعات إن “قطاع الصيدلة يعاني من خلل هيكلي نتيجة تراكم أعداد الخريجين بمعدلات تفوق احتياجات سوق العمل لسنوات”. وأضاف أن قرار اللجنة جاء لحماية مصالح الطلاب، لا سيما مع استمرار تراجع الرواتب المعروضة على خريجي الكليات الطبية “مقارنة بالتخصصات المستحدثة حاليا من الذكاء الاصطناعي”.
ويدعو المجلس الأعلى للجامعات إلى إعادة هيكلة المناهج الدراسية لتتوافق مع متطلبات التصنيع الدوائي، إلى جانب التوسع في البرامج المتخصصة التي تمنح الخريجين فرصا حقيقية في الأسواق الإقليمية والدولية. وأشار سنجاب إلى أن “فتح صيدليات جديدة لم يعد نموذجا استثماريا مجديا في ظل تشبع السوق”، مضيفا أن هذا التحول يدفع بالفعل المزيد من خريجي الصيدلة للاتجاه نحو مجالات مثل الصناعات الدوائية.
وتلجأ مصانع كثيرة في الوقت الراهن إلى استقطاب الكفاءات من تخصصات أخرى، بما في ذلك كليات الزراعة، لشغل وظائف التصنيع التي كان يشغلها خريجو الصيدلة في السابق. وكانت دفعة 2023 هي الأخيرة التي شملها التكليف الحكومي الشامل، بينما لم تحصل دفعتا 2024 و2025 على ذلك، في ظل تحول التكليفات الجديدة نحو الاحتياجات الفعلية للتوظيف ولوقت محدود.
كذلك قال نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي في بيان حصلت عليه نشرة “إنتربرايز” الاقتصادية، إن “زيادة أعداد المقبولين بكليات الطب يجب أن تكون مرتبطة بالتوسع في الإمكانيات التعليمية والتدريبية والمستشفيات الجامعية”. وحذر عبد الحي من أن زيادة أعداد الطلاب دون توفير تدريب عملي ملائم ينذر بتخريج أطباء يفتقرون للتدريب العملي الكافي، مما يؤثر على سلامة المرضى. وسبق أن طالبت النقابة بوقف إنشاء كليات طب جديدة لا تمتلك مستشفيات تعليمية مجهزة. ويؤكد عبد الحي أن “جودة الطبيب تبدأ من جودة التدريب، وليس من زيادة أعداد المقبولين”.
كيف استجابت الحكومة؟
ترفض الوزارة الادعاء بتجاهل الطاقة الاستيعابية للتدريب. إذ يوضح قنصوة أن المستشفيات الجامعية في مصر، البالغ عددها 147 مستشفى، بينها 52 مستشفى تخصصيا، توفر بالفعل نحو 30% من إجمالي عدد الأسرّة في قطاع الرعاية الصحية بالبلاد ونصف أسرة العناية المركزة، كما عالجت نحو 32 مليون مريض في عام 2025 وحده. وتشير الوزارة إلى التوسعات المستمرة في المستشفيات، وجهود الحصول على اعتماد الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية، والتوسع في البرامج التدريبية للكوادر الطبية والتمريضية الشابة، وهو ما يقدم دليلا على استثمارها في جانب التدريب وليس مجرد تضييق الخناق على بوابات القبول.
لا تزال المكانة الاجتماعية تتفوق على الراتب المتوقع في أولويات الأسر المصرية على صعيد اختيار تخصصات أبنائها. ويقول سنجاب إن “الأزمة تتطلب أيضا تغييرا في ثقافة اختيار التخصصات الجامعية”. إذ تستمر الأسر في توجيه أبنائها نحو دراسة الطب بحثا عن المكانة الاجتماعية، حتى في ظل العوائد المالية الأقوى التي توفرها مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والتجارة والعلوم التطبيقية، واستحواذها تدريجيا على المزيد من مقاعد القبول.
نقابة المهندسين تطالب بمعاملة مماثلة لقطاع الطب:
“تحديد أعداد المقبولين يجب أن يستند إلى دراسات دقيقة لاحتياجات سوق العمل والخطط التنموية المستقبلية”، حسبما قاله نقيب المهندسين الدكتور محمد عبد الغني لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية ، مشيرا إلى الارتفاع الحاد في أعداد خريجي الهندسة مقارنة بالطلب الفعلي. وتعمل النقابة مع المراكز البحثية لإعداد دراسات حول فجوات سوق العمل، كما تعتزم التنسيق مع وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات لربط أعداد القبول المستقبلية باحتياجات السوق.
وأوضح عبد الغني أن خفض أعداد المقبولين في كليات الهندسة لا يهدف إلى تقييد فرص التعليم، بل إلى تحسين جودة التدريب، وتضييق الفجوة بين أعداد الطلاب وقدرات هيئة التدريس، والحفاظ على دور الجامعات الحكومية، كونها العمود الفقري للتعليم العالي في مصر.
الخطوة التالية:
سنترقب ما إذا كانت مصر ستلجأ مجددا إلى لعبة التنسيق بدلا من الخفض الرسمي للمقاعد؛ فهي أسرع من تصويت اللجان وقد أثبتت فعاليتها للتو. فإما أن تصمد الطاقة الاستيعابية للمستشفيات أمام دفعة دراسية أكثر تركيزا وانتقاء، أو أن تتحول فجوات التدريب إلى الخبر الأبرز خلال العام الدراسي المقبل.










