في ذكرى مولد الرسول الأعظم محمد بن عبدالله ﷺ، لا نحتفي بميلاد رجلٍ غيّر مجرى التاريخ فحسب، وإنما نستحضر ميلاد رسالةٍ أعادت للإنسان معنى الإنسان، وللقلب معنى الرحمة، وللحياة معنى الهداية. ففي مولده الشريف تتجدد في نفوس المؤمنين ذكرى النور الذي حمله إلى العالم، والرحمة التي بعث بها، والقيم التي جعلت من الإيمان سلوكًا، ومن الأخلاق عبادة، ومن الرحمة منهجًا للحياة.
إن محبة النبي محمد ﷺ ليست مجرد عاطفة تسكن القلب ثم تنتهي، وإنما هي محبة ينبغي أن تظهر في السلوك والقول والمعاملة؛ فحين نذكره نستعيد سيرته في الصدق والأمانة والعفو والتواضع والصبر، ونستحضر قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين﴾. فكان ﷺ رحمةً للضعيف، وعدلًا للمظلوم، وطمأنينةً للخائف، وأملًا لمن أثقلته الحياة.
ومولد النبي ﷺ مناسبة روحية تذكّر المؤمن بأن أعظم ما يمكن أن يورثه الإنسان من محبة رسول الله هو أن يجعل من أخلاقه امتدادًا لتلك المحبة؛ أن يكون صادقًا حين يكون الصدق مكلفًا، رحيمًا حين تكون القسوة أسهل، متسامحًا حين يكون الانتقام ممكنًا، متواضعًا حين تمنحه الحياة أسباب الكِبر، وأن يرى في الإنسان كرامته قبل أن يرى اختلافه.
إننا حين نستحضر مولده الشريف لا نستحضر الماضي وحده، بل نستحضر حاجتنا المعاصرة إلى قيمه؛ ففي عالمٍ تتسارع فيه الحياة وتزداد فيه الخصومات ويعلو فيه صوت الكراهية أحيانًا، تبقى سيرته ﷺ تذكيرًا بأن قوة الإنسان لا تقاس بما يملك من سلطة، وإنما بما يتركه من رحمة، وأن عظمة المرء لا تكون في تعاليه على الآخرين، بل في قدرته على أن يكون سببًا في رفعهم.
وفي هذه المناسبة المباركة، نسأل الله أن يملأ قلوبنا محبةً لنبيه ﷺ، وأن يجعل الصلاة والسلام عليه نورًا في أرواحنا، وأن يرزقنا الاقتداء به ظاهرًا وباطنًا، وأن يجعل أخلاقنا أقرب إلى أخلاقه، وقلوبنا أكثر رحمة، وألسنتنا أكثر صدقًا، وأعمالنا أكثر إحسانًا.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في ذكرى مولده الشريف أقول:
وُلِدَ محمد ﷺ، فاستيقظ في التاريخ معنى الرحمة، واستضاءت في القلوب مشاعل الهداية، وبقيت سيرته إلى يومنا هذا دعوةً للإنسان أن يكون إنسانًا، وللقلب أن يكون رحيمًا، وللحياة أن تكون أكرم وأجمل وأقرب إلى الله.
كل عام وقلوب المؤمنين عامرة بمحبة المصطفى ﷺ، وسيرته نورًا يهدي خطاهم، وصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار.










