مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. هو الشريان الذي يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يعادل خُمس صادرات النفط العالمية، إلى جانب ثلث صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمي. ومن هنا، فإن أي تهديد بإغلاقه لا يُقرأ كقرار عسكري تكتيكي، بل كإعلان حرب اقتصادية شاملة. لكن هذه الحرب، كما أثبتت الأزمات الأخيرة، ليست ذات اتجاه واحد. يمثل مضيق هرمز أهم شريان نفطي في العالم، وتحول من ورقة ضغط استراتيجية إلى فخ استنزاف متبادل لجميع الأطراف عند التهديد بإغلاقه.
نحن أمام ما يمكن تسميته “معادلة الاستنزاف المتبادل”.. كل طرف يستنزف الآخر، لكنه يستنزف نفسه في نفس اللحظة.
1- لماذا يبدو الإغلاق سلاحاً مثالياً لإيران؟
منذ حرب الناقلات في الثمانينات، والحرس الثوري يلوح بورقة المضيق كخيار أخير. الجغرافيا في صفه: المضيق في أضيق نقطة 33 كيلومتراً فقط، والممرات الملاحية الصالحة لا تتجاوز 3 كيلومترات في كل اتجاه. إيران لا تحتاج أسطولاً لإغلاقه، يكفيها نشر ألغام بحرية، زوارق مسيرة، وصواريخ ساحلية لرفع تكلفة التأمين إلى حد يجعل شركات الشحن تتوقف طوعاً.
وهذا ما حدث فعلياً: وفق تقارير دولية، أُغلق المضيق فعلياً لما يقارب 4 أسابيع، مما أدى إلى اضطراب أسواق النفط العالمية، وتوقف شبه تام لحركة الملاحة عبر الممر الذي يمر عبره نحو 20% من نفط العالم وغازه.
الرسالة الإيرانية واضحة: “إذا لم نتمكن من تصدير نفطنا بسبب العقوبات أو القصف، فلن يصدر أحد نفطه”.
2- أين يبدأ الاستنزاف المتبادل؟
هنا تكمن المفارقة التي تجعل من هرمز سلاحاً انتحارياً.
أولاً: الاستنزاف الإيراني الذاتي
إيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير أكثر من 80% من نفطها، ولاستيراد السلع الأساسية. إغلاقه يعني خنق اقتصادها المنهك أصلاً. كما أن أي إغلاق طويل يحول التهديد من ورقة تفاوضية إلى ذريعة لتغيير استراتيجي دائم ضدها، حيث لطالما اعتبر المحللون أن الإغلاق خيار أخير بسبب التغيرات الاستراتيجية طويلة الأمد التي قد تطرأ على سياسات الدول المعادية لإيران.
ثانياً: استنزاف الخليج والعالم
دول الخليج، رغم امتلاكها بعض البدائل كخط أنابيب شرق-غرب السعودي وخط الفجيرة الإماراتي، لا تستطيع تعويض أكثر من 20-25% من صادراتها عبر المضيق. إغلاقه يرفع أسعار النفط إلى 150-200 دولار، يضرب أسواق الأسمدة والغذاء، لأن المضيق يمرر أيضاً الأسمدة التي تُستخدم في زراعة المحاصيل التي يعتمد عليها العالم.
ثالثاً: الاستنزاف الأمريكي
واشنطن تجد نفسها مجبرة على التدخل العسكري لحماية حرية الملاحة. وهو تدخل مكلف للغاية. في الجولة الأخيرة من التصعيد، قالت القيادة المركزية الأمريكية إنها أنهت جولة من العمليات العسكرية ضد إيران، رداً على هجمات استهدفت سفينة تجارية في مضيق هرمز. كل يوم إغلاق يكلف البحرية الأمريكية ملايين الدولارات ويجبرها على توزيع قواتها في مسرح عمليات ضيق ومعقد.
رابعاً: استنزاف الشرعية
عندما أعلن الحرس الثوري أن “مضيق هرمز الحيوي سيُغلق الآن أمام جميع السفن” وأن “أي سفينة تحاول عبور المضيق ستكون هدفاً للاستهداف”، فهو يضع نفسه في مواجهة ليس مع أمريكا فقط، بل مع الصين والهند واليابان وأوروبا، أكبر المستوردين للنفط الخليجي. وهنا يتحول السلاح من رادع إلى عزلة.
3- المعادلة الجديدة: من التهديد إلى إدارة الإغلاق
ما نراه اليوم لم يعد مجرد تهديد بالإغلاق، بل محاولة لفرض “سيادة تفاوضية” على المضيق. مصدر إيراني كبير كشف أن طهران تسعى للسيطرة على مسار دخول الملاحة إلى مضيق هرمز ومراقبة المغادرة مع إمكان التدخل عند الضرورة، وذلك بموجب خطة قيد البحث مع سلطنة عمان.
هذا تطور خطير: إيران لا تريد إغلاقاً كاملاً يدمرها، بل تريد تحويل المضيق إلى نقطة جباية سياسية وأمنية. تسمح بالمرور، لكن بشروطها.
وفي المقابل، تلوح أوراق أخرى. يحذر خبراء مثل أندرياس كريج من جامعة كينجز كوليدج لندن من أن إيران قد تستخدم حلفاءها الحوثيين لإغلاق مضيق باب المندب كـ “خيار نووي آخر” بعد مضيق هرمز إذا تصاعدت الضربات الأمريكية على بنيتها الحيوية. هنا تكتمل معادلة الاستنزاف المزدوج: هرمز + باب المندب = خنق كامل لطاقة العالم.
4- الخلاصة: لا أحد ينتصر في هرمز
مضيق هرمز كمعادلة استنزاف متبادل يقوم على ثلاث حقائق:
إيران تستطيع إغلاقه، لكنها لا تستطيع تحمّل إغلاقه. كل يوم إغلاق هو يوم بدون عائدات نفطية لها، ومع تصاعد خطر تدمير بنيتها النفطية رداً.
العالم لا يستطيع تحمّل إغلاقه، لكنه لا يستطيع السماح لإيران بامتلاك مفتاحه. لذلك، كما قال وزير الصناعة الإماراتي سلطان الجابر: “مضيق هرمز ليس ملكا لإيران وإغلاقه تهديد للعالم أجمع”.
الولايات المتحدة تستطيع فتحه بالقوة، لكنها لا تستطيع إبقاءه مفتوحاً للأبد بدون كلفة باهظة.
لهذا السبب، لم يعد السؤال هو “هل ستغلق إيران مضيق هرمز؟” بل “كم من الوقت تستطيع إيران والعالم تحمّل لعبة الاستنزاف هذه؟” في حروب الاستنزاف، المنتصر ليس من يضرب بقوة، بل من ينزف أبطأ. ومضيق هرمز يضمن أن الجميع سينزف معاً.
الآن، يخضع هذا الافتراض للاختبار، فمع مرور كل يوم، تتضاءل صحته، وبالرغم من ذلك فإن هذا لا يعنى أن العواقب الاقتصادية لاستمرار إيران فى تسليح المضيق أمر بسيط، أو هامشى، بل هو بالغ الخطورة، حيث انخفضت مخزونات النفط العالمية بشكل حاد، كما لاتزال المنتجات البترولية تعانى نقصًا كبيرًا، الأمر الذى جعل الاقتصادات المستوردة للطاقة تتحمل تكاليف باهظة.
لكن لايزال السؤال الأهم بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية ليس ما إذا كان إغلاق مضيق هرمز مؤلمًا، فهو كذلك بالفعل، بل السؤال هو ما إذا كان هذا الألم أكثر احتمالًا، من الناحية الاستراتيجية، من التنازلات التى تأمل طهران فى انتزاعها، مقابل إنهاء الإغلاق، فعلى النقيض من الميزة التى تجنيها إيران من برنامجها النووى، فإن نفوذها على الاقتصاد العالمى يتضاءل يومًا بعد يوم، فيما تُبقى مضيق هرمز مجرد رهينة.
أما الولايات المتحدة، فلديها فرصة أكبر، إذ يمكنها استغلال هذه اللحظة لزيادة إنتاج الطاقة الأمريكي فى قطاعات النفط، والغاز الطبيعى، والطاقة النووية، والتقنيات الناشئة، مع مساعدة حلفائها فى بناء البنية التحتية اللازمة لتنويع مصادر الإمداد.
وبينما يستطيع العالم تنويع مصادره، بعيدًا عن مضيق هرمز، لا تملك إيران بديلًا حقيقيًا، خاصة إذا استمر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى حصار صادرات النفط الإيرانية، فكل برميل ينتج فى مكان آخر، وكل خط أنابيب يبنى حول هرمز، وكل مخزون استراتيجى يوسع، وكل وحدة من الطلب على النفط تنقل إلى مكان آخر، تمثل انخفاضًا طفيفًا فى قوة طهران المستقبلية، ولهذا السبب، يؤكد التقرير أن إدارة «ترامب» لا تحتاج إلى التسرع فى تقديم تنازلات فى المفاوضات مع طهران، حيث يمكن تقليص نفوذ إيران على المضيق، لكن لا يمكن تقليص قدرتها النووية الفعالة.
فى الوقت نفسه، كلما طالت مدة إظهار طهران عدم إمكان الاعتماد على مضيق هرمز، سهل على شركات الطاقة، والدول المستهلكة تبرير استثمارات، كانت تبدو، سابقًا، غير مجدية، أو غير اقتصادية، ففى اليابان على سبيل المثال، قال محلل الطاقة بن كاهيل: “تُحفز الصدمة إعادة النظر فى افتراضات أمن الطاقة الراسخة، حول اعتمادها على الوقود المستورد”. وتستجيب أوروبا وفقًا للمنطق نفسه، مستغلة الأزمة، لتعزيز الدعوة إلى نشر الطاقة النظيفة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى المستورد.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










