خَدَعُوكَ إِذْ قَالُوا إِنَّهَا سَاحَةٌ لِلْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ، وَتَجَرُّدٌ مِنْ كُلِّ خُلُقٍ وَنَخْوَةٍ! لَقَدْ غَفَلُوا — أَوْ تَغَافَلُوا — عَنْ كَوْنِهَا مَسْؤُولِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً وَوَطَنِيَّةً جَسِيمَةً، وَشَرَفًا مُنِيفًا، وَمَجْدًا أَثِيلًا.
إِنَّ مَقُولَةَ “السِّيَاسَةُ نَجَاسَةٌ” مَقُولَةٌ بَاطِلَةٌ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا؛ فَقَدْ كَانَ رَسُولُنَا الْكَرِيمُ — صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ — مِنْ أَعْظَمِ الْقَادَةِ السِّيَاسِيِّينَ فِي التَّارِيخِ؛ أَدَارَ الْمَعَارِكَ، وَعَقَدَ الْمُعَاهَدَاتِ، وَأَبْرَمَ الصُّلْحَ، وَشَهِدَ بِحِكْمَتِهِ الْأَعْدَاءُ قَبْلَ الْأَصْدِقَاءِ.
فَالْمَبَادِئُ لَا تُبَاعُ، وَالْكَرَامَةُ لَا تُسَاوَمُ، وَلَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَكُونَ ذَا مَبْدَأٍ ثَابِتٍ فِي سِجِلِّكَ السِّيَاسِيِّ، تُنَاضِلُ دِفَاعًا عَنِ الْحَقِّ، وَتَذُودُ عَنْ كَرَامَةِ الْوَطَنِ، فَلَا تَكُونُ يَوْمًا أُخْدُوعَةً أَوْ أُلْعُوبَةً فِي أَيْدِي الْمُنَافِقِينَ وَالْمُتَلَوِّنِينَ.
وَفِي الْوَاقِعِ، إِنَّ الَّذِي أَفْسَدَ السِّيَاسَةَ لَيْسَتِ السِّيَاسَةُ ذَاتُهَا، بَلْ ذَلِكَ الْكَائِنُ الطُّفَيْلِيُّ الَّذِي يَسْعَى لِإِشْبَاعِ رَغَبَاتِهِ وَتَحْقِيقِ مَطَامِعِهِ الشَّخْصِيَّةِ؛ فَيَغْدُو انْتِمَاؤُهُ الْحِزْبِيُّ مَرْهُونًا بِمِقْدَارِ مَا يَجْنِيهِ مِنْ مَصَالِحَ، فَإِنْ زَالَتْ، انْسَلَخَ مِنْ مَبَادِئِهِ كَمَا يَنْسَلِخُ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ.
وَكَمْ مِنْ رِجَالٍ صَالِحِينَ قَامَتْ بِهِمُ الدُّوَلُ وَازْدَهَرَتْ، فِيمَا تَفَنَّنَ آخَرُونَ فِي الْعَبَثِ بِمُقَدَّرَاتِ الْأَوْطَانِ.
إِنَّ الَّذِي يَدْفَعُ الْمَلَايِينَ لِيَغْتَصِبَ مَقْعَدًا بَرْلَمَانِيًّا لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَيَسْتَغِلُّ الْمَالَ السِّيَاسِيَّ لِيَتَلَاعَبَ بِحَاجَةِ الْبُسَطَاءِ، مُمَثِّلًا دَوْرَ “نَائِبِ الْغَلَابَةِ”، لَا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي مَصْلَحَتِهِ؛ فَأَيَّ غَلَابَةٍ يَقْصِدُ وَهُوَ يَنْتَهِكُ كَرَامَتَهُمْ؟! أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ هُمْ مَنْ لَوَّثُوا الْحَيَاةَ الْحِزْبِيَّةَ، حَتَّى أَصْبَحَ الْمُنَاخُ خَانِقًا بِوُجُودِهِمْ.
فَمَا أَبْهَى أَنْ يَخُوضَ الْمَرْءُ هَذَا الْمَيْدَانَ الشَّائِكَ وَهُوَ نَاصِعُ الصَّفْحَةِ، نَظِيفُ الْيَدِ، لَمْ تَعْلَقْ بِهِ شُبْهَةٌ، وَلَمْ تَمَسَّهُ دَنِيَّةٌ! عَفِيفَ اللِّسَانِ لَا يَنْطِقُ إِلَّا بِالْحَقِّ، صَادِقَ الْقَوْلِ لَا يَعْرِفُ الزَّيْفَ، يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ مَرْفُوعَ الْهَامَةِ؛ فَالرِّجَالُ الشُّرَفَاءُ هُمْ وَحْدَهُمْ مَنْ يَصْنَعُونَ السِّيَاسَةَ النَّظِيفَةَ.
وَأَنَّنِي عَلَى ثِقَةٍ يَقِينِيَّةٍ أَنَّ هَذِهِ “الرَّغَاوِيَ” سَتَزُولُ، وَطَحَالِبَ الْمَسَاقِي سَتَخْتَفِي، وَسَتَبْقَى مِصْرُ حُرَّةً أَبِيَّةً.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)










