لفت نظري بشدة يوم الجمعة الماضي في احد المساجد نسخة مطبوعة من المصحف الشريف بغلاف انيق وورق فاخر تتفوق بلا مبالغة على أي نسخ من طبعات مشهورة دوليا..بالفحص اكتشفت انه مصحف بيت الزكاة والصدقات المصري باشراف فضيلة الامام الأكبرالشيخ د.احمد الطيب..وحازت شرف طباعته مطابع الشرطة للطباعة والنشر والتوزيع بالدراسة بالقاهرة..
لا استطيع ان اصف لكم مدى فرحتي بتلك النسخة الرائعة وذلك للعديد من الأسباب في مقدمتها:
انها استدعت الى الذهن حلما كبيرا واعادت الامل في احياء فضيلة وقف المصاحف..وهي بوابة يبدو ان مفاتيحها ضاعت او فقدت او على وجه الدقة غير واضحة المعالم..ربما لطول غياب او لعدم الاكتراث او لاختلاط أوراق الوقف والمخصصات للمصارف المختلفة مع ان الامر يقتضي معرفة ما يخص وقف المصحف على وجه الدقة..وفقا لقاعدة شرط الواقف كشرع الشارع..اعتقد ان وزارة الأوقاف وهيئتها لديهم الخبر اليقين..
الأهمية لهذا التحديد انه يلقي الضوء على وقف المصحف وكيف يمكن احياؤه وتنميته بالصورة التي تحقق الأهداف السامية للقران واهل القران وهي مسالة تزداد أهمية واتساعا يوما بعد يوم..
ما يلفت الأنظار في الآونة الأخيرة ان هناك تصرفات فردية او عائلية على هامش وقف المصحف..ليست وقفا وانما تقترب منه وهو ما يحدث في عدد من المناسبات سواء عقب الوفاة او في مسابقات تحفيظ القران الكريم او الصدقات الى مراكز تحفيظ القران والكتاتيب في القرى بالمحافظات المختلفة..
في هذا الخضم المتسع تقع كثير من حالات الفوضى فيما يخص طباعة المصحف على وجه التحديد وامام الحاح البعض والرغبة في الارتباط بكتاب الله عن طريق الصدقة او الوقف لله تعالى تلجأ بعض المطابع او دور النشر الى استخدام أوراق رخيصة لا يصح استخدامها مع كتاب الله لانها سريعة التلف ولا تتحمل الاستخدام المتواصل.. وبالتالي تتعرض النسخ للتلف..وللخطر أيضا مع سوء التخزين او رداءة التغليف.. وهو ما يلقي بظلال ليست لطيفة على تلك النسخ..
وهنا لابد ان نوجه التحية للتوجه الذي يقوم به بيت الزكاة وتحرص عليه السيدة الفاضلة د. سحر نصر دينامو البيت في التعامل مع مصحف بيت الزكاة حتى يصل الى ارجاء المعمورة..الى الكتاتيب في القرى والنجوع الأولى بالرعاية والأكثر احتياجًا في الصعيد والدلتا في إطار المنهج الواضح والحكيم لترسيخ القيم الدينية ورعاية النشء.. والحملات المستمرة لدعم حفظة القرآن الكريم..وما يصاحب ذلك من توزيع عشرات الالاف من المصاحف فاخرة الطباعة يحملها الأبناء وتتزين بها كل البيوت الكريمة..
بيت الزكاة والصدقات هنا ينطلق من قاعدة واضحة وهي أن التبرع لدعم الكتاتيب من صور الصدقة الجارية يمتد أجرها دائما فضلًا عن دور القرآن الكريم في بناء شخصية متوازنة قادرة على التمييز بين القيم الصحيحة والانحرافات الفكرية..
نقطة مهمة أخرى تجدر الإشارة اليها وكانت تثير استياء الكثيرين وهي ان مساجد كثيرة خاصة في الاحياء الشعبية بها نسخ كثيرة من المصاحف القديمة متهالكة الأوراق وتملأ الرفوف ولا يستطيعون استبدالها او التخلص منها بصورة كاملة فتظل تشغل حيزا غير قليل وربما تسقط منها أوراق وتضيع ايات فنكون امام مشكلة كبيرة..وهو وضع لايجب ان يستمر باي حال..
وحسنا يفعل بيت الزكاة ان يقدم تلك المصاحف هدايا مجانية ويتم توزيعها بصورة شبه دائمة عند طلبها وليس فقط في المناسبات المختلفة..
من هنا فان احياء فضيلة وقف المصاحف بات ضرورة أيضا مع التطورات التي تشهدها ساحة الدعوة والفكر الإسلامي داخليا وخارجيا والمساحة العظيمة التي يشغلها ويمثلها المصحف كتاب الله في دفة كل التحركات..
لا يمكن ان نغفل هنا حركة الاقتراب العظمى من القران بعد سقوط الأقنعة التي رسمتها ووقفت خلفها القوى المعادية للاسلام والكارهة للمسلمين ومارست كل صنوف العدوان والتشوية لكثير من الحقائق وتبنت العديد من الحملات للتشويه والتشكيك للنيل من القران والنبي صلى الله عليه وسلم..
والحمد لله يشهد العالم كله تيار افاقة وتوجه نحو القران وتعاليم الإسلام للتعرف عليها من المنابع الصافية بعيدا عن وسطاء ووكلاء السوء محترفي العبث بالعقول في الشرق والغرب..
بقي ان نعرف ان المصريين على وجه التحديد لهم تاريخ طويل ومشرف مع كل ما يحفظ ويحافظ على كتاب الله سواء من حيث الطباعة وتيسير الحصول على النسخ وتوفيرها في أماكن تجمعات المصلين والدارسين لعلوم الدين وغيرها وابتكروا نماذج واشكال للوقف الخاص بالمصحف الشريف.
تشير سجلات الأوقاف الى الكثير من الكنوز العظيمة على هذا الصعيد.. ففي أوقاف جامع عمرو بن العاص نجد ان رجلا يُدعى مسعود بن سعد الهيتي أوقف مصحفاً أثرياً عظيماً نُسب لعثمان بن عفان كان قد استخرجه من خزائن الخليفة العباسي المقتدر بالله.كُتب على ظهره نص الوقفية :”ليكون محفوظاً أبدًا ما بقي ورقه ولم يذهب رسمه ابتغاء ثواب الله”.
كما احتوت خزائن دار الحكمة بجامعة القاهرة على آلاف المصاحف المذهبة التي حبسها الخلفاء الفاطميون للقراءة والنسخ والتعلم..
وتشير المصادر التاريخية الى تميز العصر المملوكي بوقف مصاحف ضخمة جداً(من القطع الكبير) اشتهرت بتذهيبها الفريد وزخرفتها باللازورد. وكانت تُوقف خصيصاً على المساجد والمدارس التي يبنونها مثل مسجد السلطان حسن بالقاهرة.
وهناك مصاحف تعرف باسم معتوقات أسرة محمد علي حيث ساهمت “المعتوقات” (الجواري اللاتي عُتقن) من قصر الخديوي إسماعيل في وقف مصاحف نفيسة ومذهبة كُتبت بأيدي كبار الخطاطين ودُعمت بأوقاف خاصة لضمان صيانتها.
ولا تتعجب فان الاميرة امنة باشا وهي زوجة الخديوي محمد توفيق ووالدة الخديوي عباس حلمي الثاني قد اهدت الى الحجرة النبوية بالمدينة المنورة عام 1328هـ ما يعرف “خزانة المصاحف” الشهيرة وهي من الكنوز التاريخية الموجودة في مكتبة الملك عبدالعزيز..
الامل معقود على بيت الزكاة في احياء ودعم وقف المصحف ورعاية واحتضان كل ما له صلة بذلك من خطاطين وطباعة ونشر وتوزيع بطرق تحافظ على قيمة النسخ وتحفظ لها قدسيتها وجلالها كما يجب..
والله المستعان..
شاهد أيضاً
عبدالمعطى احمد يكتب: الحاسب الالكترونى لايفكر وحده
منذ اقدم العصور والانسان يستخدم الرياضيات عامة والحسابات خاصة فى تطوير حياته وكشف أسرارها ودراسة …
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة