تَأْتِي بَرْقِيَّةُ التَّهْنِئَةِ الَّتِي وَجَّهَهَا فخامةُ السَّيِّدِ الرَّئِيسُ عَبْدُ الفَتَّاحِ السِّيسِي إِلَى الزَّعِيمِ الكُورِيِّ الشَّمَالِيِّ كِيمْ جُونْغْ أُونْ بِمُنَاسَبَةِ ذِكْرَى تَأْسِيسِ جُمْهُورِيَّةِ كُورِيَا الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الشَّعْبِيَّةِ لِتُسَلِّطَ الضَّوْءَ عَلَى ثَوَابِتَ دِبْلُومَاسِيَّةٍ مِصْرِيَّةٍ تَمْتَدُّ لِعُقُودٍ مِنَ التَّوَازُنِ وَالِاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ.
فَالرِّسَالَةُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ إِجْرَاءٍ بُرُوتُوكُولِيٍّ عَابِرٍ، بَلْ أَعَادَتِ التَّأْكِيدَ عَلَى عُمْقِ الْعَلَاقَاتِ التَّارِيخِيَّةِ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ، وَتَطَلُّعِ الْقَاهِرَةِ لِتَوْسِيعِ آفَاقِ التَّعَاوُنِ الثُّنَائِيِّ بِمَا يَخْدُمُ الْمَصَالِحَ الْمُشْتَرَكَةَ لِلشَّعْبَيْنِ.
●أَوَّلًا: أَبْعَادُ الرِّسَالَةِ وَالدَّلَالَاتُ السِّيَاسِيَّةُ:
- اِسْتِمْرَارِيَّةُ الْحِوَارِ التَّارِيخِيِّ: تَعُودُ جُذُورُ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْقَاهِرَةِ وَبْيُونْغْ يَانْغْ إِلَى خَمْسِينِيَّاتِ وَسِتِّينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي؛ وَمِنْ ثَمَّ تَعْكِسُ هَذِهِ التَّهْنِئَةُ حِرْصَ مِصْرَ الدَّائِمَ عَلَى صِيَانَةِ جُسُورِ التَّوَاصُلِ مَعَ حُلَفَائِهَا التَّارِيخِيِّينَ دُونَ التَّفْرِيطِ فِي اسْتِقْلَالِيَّةِ قَرَارِهَا.
- اسْتِرَاتِيجِيَّةُ التَّوَازُنِ الدَّوْلِيِّ: تُثْبِتُ السِّيَاسَةُ الْخَارِجِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ قُدْرَتَهَا عَلَى إِدَارَةِ الْعَلَاقَاتِ مَعَ كَافَّةِ الْأَطْرَافِ الدَّوْلِيَّةِ بِمَرُونَةٍ وَحِكْمَةٍ، مُعْتَمِدَةً مَبْدَأَ الشَّرَاكَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْمَحَاوِرِ بِمَا يُعَزِّزُ مَكَانَتَهَا كَفَاعِلٍ إِقْلِيمِيٍّ مُحَايِدٍ وَمَوْثُوقٍ.
- الْبَحْثُ عَنْ مَسَارَاتٍ جَدِيدَةٍ لِلتَّعَاوُنِ: إِنَّ التَّأْكِيدَ عَلَى شُمُولِ الْمَجَالَاتِ ذَاتِ الِاهْتِمَامِ الْمُشْتَرَكِ يَفْتَحُ الْبَابَ لِتَطْوِيرِ التَّبَادُلِ فِي الْقِطَاعَاتِ الْإِنْمَائِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ، بِمَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْأُطُرِ وَالْقَوَانِينِ الدَّوْلِيَّةِ.
●ثَانِيًا: الْأَبْعَادُ الْجِيُوبُولِيتِيكِيَّةُ وَمَوْقِفُ الْقُوَى الدَّوْلِيَّةِ:
تَتَحَرَّكُ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ فِي مَلَفِّ الْعَلَاقَاتِ مَعَ كُورِيَا الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الشَّعْبِيَّةِ عَبْرَ مَسَارٍ شَدِيدِ التَّوَازُنِ وَالدِّقَّةِ؛ إِذْ تُدْرِكُ الْقَاهِرَةُ حَجْمَ التَّعْقِيدَاتِ الْجِيُوبُولِيتِيكِيَّةِ وَالْحَظْرَ الدَّوْلِيَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى بْيُونْغْ يَانْغْ.
وَمَعَ ذَلِكَ، تَنْظُرُ الْقُوَى الدَّوْلِيَّةُ -وَبِالْأَخَصِّ الْعَوَاصِمُ الْغَرْبِيَّةُ- إِلَى الْمَوْقِفِ الْمِصْرِيِّ بِبَعْضِ التَّفَهُّمِ، بِبَاعِثِ أَنَّ الْإِبْقَاءَ عَلَى قَنَوَاتِ التَّوَاصُلِ الْمَفْتُوحَةِ مَعَ أَنْظِمَةٍ مُنْعَزِلَةٍ يُعَدُّ أَدَاةً دِبْلُومَاسِيَّةً حَيَوِيَّةً لِتَجَنُّبِ الْإِغْلَاقِ التَّامِّ، وَمُنْطَلَقًا لِإِيصَالِ الرَّسَائِلِ فِي أَوْقَاتِ الْأَزَمَاتِ الْإِقْلِيمِيَّةِ.
مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، يُشَكِّلُ هَذَا التَّوَاصُلُ الْمِصْرِيُّ تَأْكِيدًا عَمَلِيًّا عَلَى اسْتِقْلَالِيَّةِ الْقَرَارِ الْوَطَنِيِّ، حَيْثُ تَرْفُضُ الْقَاهِرَةُ مَبْدَأَ الِاسْتِقْطَابِ الْحَادِّ أَوْ الرَّهْنِ الْمُطْلَقِ لِلْعَلَاقَاتِ الْخَارِجِيَّةِ بِتَوَجُّهَاتِ مِحْوَرٍ وَاحِدٍ.
وَتُثْبِتُ مِصْرُ بِذَلِكَ أَنَّ صِيَانَةَ الشَّرَاكَاتِ التَّارِيخِيَّةِ مَعَ الدُّوَلِ -دُونَ الْخُرُوجِ عَنْ أُطُرِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ- تُمَثِّلُ صِمَامَ أَمَانٍ لِحِمَايَةِ نُفُوذِهَا الْجِيُوبُولِيتِيكِيِّ، وَتَرْسِيخِ دَوْرِهَا كَجِسْرٍ لِلْحِوَارِ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ.
●ثَالِثًا: هَلْ يَزُورُ “كِيمْ” المِنْطَقَةَ؟:
بَعِيدًا عَنْ أَيِّ حِسَابَاتٍ مِصْرِيَّةٍ رَسْمِيَّةٍ، لَمْ وَلَنْ يَطَأَ “كِيمْ” أَرْضَ أَيِّ دَوْلَةٍ فِي الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ؛ فَلَيْسَ الرَّجُلُ بِالْغَبِيِّ أَوِ الْأَحْمَقِ لِيَخُوضَ مُغَامَرَةً جَوِّيَّةً غَيْرَ مَضْمُونَةِ الْعَوَاقِبِ فِي سَمَاءِ الْمِنْطَقَةِ، مُرُورًا بِفَيْلَقٍ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ الَّتِي تُطَوِّقُ أُورُوبَّا وَالشَّرْقَ الْأَوْسَطَ؛ وَلَنْ يَزُورَ “كِيمْ” الشَّرْقَ الْأَوْسَطَ إِلَّا إِذَا انْقَلَبَ الْمِيزَانُ الدَّوْلِيُّ، وَانْكَفَأَتْ أَمْرِيكَا، وَتَوَارَتْ بِرِيطَانْيَا، وَأَصْبَحَتِ الْأَرْضُ مِلْكًا لِلْأَقْوِيَاءِ الْحَاسِمِينَ مِنْ أَمْثَالِ “كِيمْ”.
كَمَا أَنَّ الزَّعِيمَ الْكُورِيَّ الشَّمَالِيَّ لَا يَسْتَسِيغُ رُكُوبَ الطَّائِرَاتِ، وَيُفَضِّلُ عَلَيْهَا قِطَارَهُ الْمُزَوَّدَ بِالدُّرُوعِ وَالْمُصَفَّحَ الَّذِي يَتَهَادَى بِحَذَرٍ وَتَأَنٍّ بَيْنَ الصِّينِ وَرُوسِيَا.
وبَعيدًا عَنِ المَواقِفِ الرَّسْمِيَّةِ المُعْلَنَةِ، ثَمَّةَ أسْبابٌ ودَوافِعُ تَدْعو للإعْجابِ بِهَذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الاسْتِثْنائِيَّةِ؛ فَهوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حاكِمٍ تَقْلِيدِيٍّ، ولَعَلَّ السَّبَبَ الأكْثَرَ أَهَمِيَّةً في ذلِكَ يَكْمُنُ في “جُنونِهِ السِّياسِيِّ” الصَّادِقِ والمَحْسوبِ، ذلِكَ الجُنونِ الَّذي جَعَلَ قادَةً وعَمالِقَةً بِسِلْكِ السِّياسَةِ بِحَجْمِ “تْرامْب” يَحْسُبونَ لِذِكْرِ اسْمِهِ أَلْفَ حِسابٍ وحِسابٍ.
أَمَّا السَّبَبُ الْآخَرُ، فَقَدْ جَسَّدَتْهُ سَاحَاتُ الْمَعَارِكِ فِي أُوكْرَانِيَا؛ حَيْثُ أَثْبَتَ أَنَّهُ “حَلِيفٌ مِنَ الطِّرَازِ الثَّمِينِ الْقَدِيمِ” الَّذِي لَا يَخُونُ حُلَفَاءَهُ وَلَا يَتَخَلَّى عَنْ رِفَاقِهِ فِي الْمِحَنِ. لَقَدِ انْتَظَمَ جُنُودُهُ فِي صُفُوفِ الْمَيْدَانِ، وَشَارَكُوا بِفَعَالِيَّةٍ فِي حَرْبِ “كُورْسْك”، وَأَعَادُوا رَسْمَ جُغْرَافِيَا الصِّرَاعِ بِأُسْلُوبٍ بَهَرَ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، لِيَكُونَ جَيْشُهُ بِحَقٍّ هُوَ الْمُفَاجَأَةَ الْأَعْظَمَ وَالْأَكْبَرَ فِي سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ.
وَخِتَامًا: تَنْتَهِجُ المُمَارَسَةُ الدِّبْلُومَاسِيَّةُ المِصْرِيَّةُ مَبْدَأً ثَابِتًا يَقُومُ عَلَى أَنَّ بِنَاءَ جُسُورِ التَّوَاصُلِ القَائِمِ عَلَى الِاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ هُوَ الخِيَارُ الأَمْثَلُ لِتَحْقِيقِ الِاسْتِقْرَارِ وَتَعْزِيزِ المَصَالِحِ المُنْصِفَةِ لِلشُّعُوبِ، وَتَظَلُّ الصَّدَاقَةُ المِصْرِيَّةُ الكُورِيَّةُ الشَّمَالِيَّةُ نَمُوذَجًا لِلْعَلَاقَاتِ المَمْدُودَةِ عَبْرَ الزَّمَنِ، وَالَّتِي تُثْبِتُ أَنَّ القَاهِرَةَ تَبْقَى دَائِمًا حَرِيصَةً عَلَى الِانْفِتَاحِ المُتَوَازِنِ عَلَى جَمِيعِ دُوَلِ العَالَمِ.
الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة