في هدوء الأمسيات الشتوية ، كان “رشيد” الفيلسوف والأستاذ الجامعي الذي قضى عمره يزن الأمور بميزان العقل ، يمارس طقسه اليومي . يجلس رشيد إلى جوار نافذته المفتوحة ، مستغرقاً في تصفح الكتب . لم يكن يعلم أن جدار عقلانيته الصلب على وشك أن يتهاوى أمام صوت غريب يقطع صمت الشارع .
كان “الرجل العابر” يمر كل يوم في الموعد ذاته ، يخطو ببطء كأنه يجر خلفه أحزان أشواقه ، متغنياً بنبرة شجية تسكن الروح . وفي كل ليلة كان يسكب في الفضاء وصفاً جديداً لمحبوبته “صفا”.
في الليلة الأولى وقف تحت النافذة ينشد ،
”يا صفا الروح ، يا نقاء الفؤاد الذي لم تُدنسه الأيام ، إن في طهر قلبك ملاذاً لروح أرهقها زيف البشرية”.
ترددت الكلمات في أرجاء الغرفة ، فشعر رشيد ببرد يسري في عروقه ، وتساءل في سره ، “أي قلب هذا الذي يحمل كل هذا النقاء في زماننا؟”
وفي الليلة التالية ، مر العابر من جديد ، ورشيد ينتظره خلف الستار بلهفة لم يعهدها في نفسه . أطلق العابر صوته متغزلاً بملامحها ،
”تلتفتُ صفا فيشرقُ في الليل الفجر ، وتغمضُ عينيها فينامُ الوجود!”.
هنا لم تعد “صفا” مجرد اسم ، بل تحولت في خيال رشيد إلى طيف نوارني يضيء عتمة مكتبه . وتوالت الأيام ، والعابر يمر كأنه يسرد سفراً من أسفار الجمال ، ليلة يصفُ رقة قوامها كغصن ينساب مع النسيم ، وليلة يمتدح ذكاءها وعمق روحها . ومع كل بيت شعر ، كان رشيد يبني لصفا تمثالاً من العاطفة البكر في وجدانه ، حتى استقر في يقينه أن هذه المرأة هي النصف الآخر لروحه الذي ظل يبحث عنه طيلة حياته . أصبح يترقب الشارع بقلب يخفق كطفل صغير ، متيماً بامرأة لم ير لها ظلاً ، ولم يسمع لها صوتاً!
لكنَ القدر كان يخبئ فاجعة .
في ليلة شديدة السواد ، طال انتظار رشيد عند النافذة . وأخيراً أقبل العابر ، ولكن خطاه هذه المرة كانت ثقيلة ، كأنما يجر سلاسل من الحديد. لم يكن ينشد ، بل كان ينتحب بصوت يمزق الشغاف ، ”رحلت صفا وانطفأ النور الذي كان يهديني في هذا الظلام ! ذهبت صفا ، وأخذت معها روحي ، وتركتني أضحية للعدم !”.
سقطت الكلمات على قلب رشيد كحد السيف . شعر ببرودة الموت تتسلل إلى أطرافه ، وانقضت عليه لوعة الفقد كأنها جبل ينهار على صدره . صرخ في داخله ، “كيف ترحلين يا صفا قبل أن أمتع عيني برؤياكي ؟ كيف تغيبين عن العالم بعدما أعدتي لقلبي الحياة؟”.
قام رشيد على الفور بخطى متهالكة ، أغلق النوافذ والأبواب ، وأسدل الستائر الثقيلة ليحجب النور . أطفأ الأنوار ، وجلس في العتمة يمارس حداداً مريراً ، أغلق هاتفه وأعتزل الكلام والناس ، وغرق في دموع حارقة على حب حياته الذي ضاع قبل أن يبدأ .
مرت أيام ، وشاع خبر غياب رشيد واعتزاله . سارع صديقه المقرب “عادل” إلى بيته وهوي.

جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة