مأمون الشناوي يكتب .. أحتاج إليك يا أبي !!

نعم والله أحتاجك يا أبي ، وأنا في خريف العمر هذا ، وقد بلغت من الكِبر عِتيّا ، ووهن العظم مني واشتعل الرأس شَيّبا !!.
أحتاج أن أعود طفلاً ، أجلس بين يديك أبكي ، وأشكو لك من تعنيف أمي ، ومن تحامل شيخي الذي يُحفظني القرآن الكريم ، فلا يترك لي فرصة للعب أو اللهو مثل أقراني ، وأشكو لك استغلال أخي الأكبر مني لي في خدمته ، لأنني الأصغر والأضعف !!.
وأنت طوال شكواي تبتسم ، وتعدني أنك سوف تمنع أمي من تعنيفي ، وأنا أعرف أنك لن تفعل ، لأنك تجاملها وتحبها ، وتعدني أنك سوف تتحدث إلى شيخي ، وأنا أعرف أنك ستطالبه بالمزيد من الضغط علىّ ، حتى أنتهى سريعاً من حفظ كتاب الله ، وأعرف كذلك أنك لن تثأر لي من أخي وتمنعه عما يفعل ، فأنت لا تعرف العنف ولا تعرف القسوة !!.
أحتاج أن أسألك من أين جئت بكل هذه السعادة والسلام النفسي والهدوء والتسامح ، هل هو ظل الإيمان الذي يغمرك ، وشذي اليقين الذي يطيب جوانحك ، هل لأنك راضٍ قانع بما قسمه الله لك ، هل لأنك تعلم علم اليقين بأنها أرزاق ، وأن كل شئ خلقه الله بقدر !!.
فلماذا إذن نحن لسنا كذلك ، بل كأننا فوق صفيح ساخن ، نجري ونلهث وراء الدنيا ، ثم لانحصد شيئاً منها إلا الفُتات ، وإذا حصدنا فلا نشعر بالسعادة ، ولا بمُتعة هذا الذي حصدناه !!.
أحتاج إليك يا أبي أن أسألك كيف ربيتنا ، حتى وصلنا إلى مانحن فيه دون تبرم أو ضيق أو شكاية ، والآن مَن لديه طفل واحد يُقيم الدنيا ولا يقعدها ، حاملاً هَمّ تربيته وتعليمه ومستقبله !!.
أحتاج إليك لكيّ أسألك لماذا كنت أنت مُعززاً مُكرماً منا في شيخوختك ، وبعد رحيل أمي ، كنا نتصارع في السهر على راحتك ، طلباتك أوامر ، حتى دون أن تطلب ، نسعي لإسعادك بكل ما أوتينا من سِعة في الرزق ووفرة في المال ، كنا نتعارك على مَن يحظي بشرف خدمتك ، حتى وصل بك الدلال أن تُقسّم الوقت بيننا ، وتصدر مَرسوماً أبويّاً ينظم الخدمة ، بينما نحن الآن لانري من أبنائنا ذلك ، ليس جحوداً منهم على ما أظن ، ولكنه ربما تكاسل ، بلادة ، استهتار ، الدنيا ضاغطة عليهم ، فهم بالكاد يكفون أنفسهم ، وليس عندهم فائض لنا ، أم ترانا أخطأنا في تربيتهم ، أم بالغنا في تدليلهم ، أم أن زمانهم مُختلف !!.
أحتاج إليك يا أبي ، وأنا مازلت أعاني غباء الآخرين وحماقتهم ، ولا أنسى حين أجلستني أمامك على سجادة صلواتك ، وربت على كتفي ، ودعوت لي بالهداية ، ونظرات عينيك تلومني ، والناس في الخارج قد عادوني ، وأهدروا دمى ؛ لأنني كسرت التابو ، وخرجت عن المألوف ، وناقشت الممنوع المقدس علانيّة ، دونما حساب للعواقب ، فكنت أنت الرحمة والنسمة الرطيبة وسط الهجير !!.
نعم والله ، أحتاج إليك يا أبي أكثر من أي يوم مضى ، فهل تعود ، أم تراني قادم إليك !!.

شاهد أيضاً

لواء دكتور سمير فرج يكتب.. الثوم المصري وتايوان

بدعوة من وزارة الخارجية التايوانية، ممثلة في إدارة مراكز الدراسات الإستراتيجية “Think Tank”، تلقيت دعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *