لواء دكتور سمير فرج يكتب.. الثوم المصري وتايوان

بدعوة من وزارة الخارجية التايوانية، ممثلة في إدارة مراكز الدراسات الإستراتيجية “Think Tank”، تلقيت دعوة للمشاركة في مؤتمر دولي تنظمه الوزارة حول الإرهاب الإسلامي، باعتباري مفكرًا إستراتيجيًا من مصر. وقد وجهت الدعوة إلى عشرين خبيرًا من عشرين دولة، لبحث احتمالات وصول الإرهاب الإسلامي المتطرف إلى تايوان، وطُلب من كل خبير إعداد ورقة بحثية للإجابة عن أربعة أسئلة رئيسية:
أولًا: هل يمكن أن يصل الإرهاب الإسلامي المتطرف إلى تايوان؟
ثانيًا: متى يمكن أن يحدث ذلك؟
ثالثًا: كيف يمكن أن يصل؟
ورابعًا: ما المقترحات التي يمكن تقديمها إلى تايوان للتصدي لأي تهديد إرهابي محتمل؟
وبالفعل، وصلنا إلى العاصمة التايوانية تايبيه، وبدأ المؤتمر بكلمة لوزير الخارجية التايواني، ثم تحدث بعده الجنرال المسؤول عن ملف مكافحة الإرهاب في حلف شمال الأطلسي “NATO”، ثم جاء دوري ممثلًا لمصر، حيث خُصص لكل متحدث من عشرين إلى خمس وعشرين دقيقة لعرض ورقته البحثية.
واستمرت جلسات المؤتمر ثلاثة أيام، شهدت العديد من المناقشات المهمة حول مستقبل الإرهاب في آسيا وأساليب مواجهته، وفي ختام المؤتمر أقامت وزارة الخارجية التايوانية حفل عشاء رسمي على شرف الضيوف.
ونظرًا لأن معظم المشاركين كانوا من الجنرالات المتقاعدين، فقد تم ترتيب أماكن الجلوس بعناية، وفوجئت بأن وزير الخارجية التايواني طلب أن أجلس إلى جواره. وأعتقد أن السبب في ذلك كان اهتمامه بالورقة البحثية التي قدمتها، خاصة لما تتمتع به مصر من خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، سواء خلال العقود الماضية أو في الحرب التي خاضتها القوات المسلحة ضد الإرهاب في سيناء.
وخلال العشاء دار بيننا حديث طويل عن المؤتمر، ثم فوجئت به يتوقف عن تناول الطعام، وينظر إليّ مبتسمًا ويقول:
“بالمناسبة… زوجتي غاضبة جدًا من مصر.”
توقفت فورًا عن تناول الطعام، وسألته باستغراب:
“هل أساءت مصر إلى زوجتكم؟”
فضحك وقال:
“لا… ولكن دعني أحكي لك القصة.”
وأضاف أن زوجته تعمل رئيسة لقسم الواردات الزراعية في إحدى كبرى الشركات المتخصصة في استيراد المنتجات الغذائية إلى تايوان، ثم قال:
“لعلك تعلم أن معظم أطعمة جنوب شرق آسيا تعتمد بصورة أساسية على الثوم “Garlic”، ولذلك فإن الثوم يمثل عنصرًا مهمًا جدًا في المطبخ التايواني.”
ثم أكمل حديثه قائلاً:
“هنا في تايوان يبلغ سعر كيلو الثوم المصري نحو 9 دولارات، بينما يبلغ سعر الثوم القبرصي 6 دولارات، والثوم الصيني نحو 4 دولارات. ورغم أن الثوم المصري هو الأغلى، فإن المستهلك التايواني يفضله بسبب رائحته المميزة وطعمه القوي، الذي يمنح الطعام نكهة خاصة.”
ثم قال:
“لكن اليوم وصلت إلى تايوان خمس حاويات محملة بالثوم المصري، وكانت المفاجأة أن الشحنة وصلت في حالة سيئة، إذ تعرض جزء كبير منها للتلف والتعفن بسبب سوء التغليف وعدم تجهيزها بالشكل المناسب للتصدير، ولذلك اضطررنا إلى رفض الشحنة بالكامل وإعادتها إلى مصر.”
وأضاف مبتسمًا:
“ولهذا فإن زوجتي حزينة جدًا… لأن الشعب التايواني يحب الثوم المصري.”
وبالطبع اعتذرت له، وعندما عدت إلى القاهرة نقلت الواقعة إلى المسؤولين المختصين، خاصة بعد إنشاء منظومة جديدة لمراقبة جودة الصادرات المصرية، وبدأت الدولة في تطبيق معايير دولية أكثر دقة في التعبئة والتغليف والنقل.
ومرت عدة أشهر، ومع بداية العام الجديد، تلقيت رسالة تهنئة من وزير الخارجية التايواني بمناسبة العام الجديد، لكن اللافت أنه كتب في نهايتها:
“وزوجتي تطلب مني أن أشكرك.”
ثم أوضح أن شحنة جديدة من الثوم المصري وصلت إلى تايوان، وكانت تضم تسع حاويات، وجميعها وصلت بحالة ممتازة، من حيث التعبئة والتغليف وجودة المنتج، وقال إن زوجته أكدت أن سيدات تايوان كلهن سعيدات بعودة الثوم المصري إلى الأسواق.
وبعد هذه الرسالة، اتصلت برئيس الهيئة المسؤولة عن رقابة الصادرات المصرية، فأكد لي أن جميع الصادرات الزراعية المصرية أصبحت تخضع لمعايير دولية صارمة، سواء في التعبئة أو التغليف أو طرق النقل لمسافات طويلة.
وأضاف أن نتائج هذا التطوير بدأت تظهر بوضوح، حتى أصبحت مصر الأولى عالميًا في تصدير البرتقال، متقدمة على إسبانيا التي احتفظت بهذا المركز لعقود طويلة، كما أن صادرات البطاطس المصرية أصبحت تصل إلى الأسواق العالمية دون أن تُرفض أي شحنة بسبب مشاكل الجودة، بعد أن كانت بعض الشحنات في الماضي تتعرض للتلف أثناء النقل.
كما حققت الفراولة المجمدة، والعنب المصري، والعديد من الحاصلات الزراعية الأخرى نجاحًا كبيرًا في الأسواق الخارجية، بفضل الالتزام الكامل بمعايير الجودة العالمية.
وأتذكر أيضًا أن هناك أحد مصانع الصناعات الغذائية في الواحات ينتج الفول المدمس المعلب بالكامل للتصدير إلى الولايات المتحدة، ولا تدخل منه عبوة واحدة إلى السوق المحلية، بعد أن أثبت المنتج المصري نجاحه في الأسواق الخارجية.
كما تشهد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس اليوم طفرة صناعية كبيرة، حيث أُنشئت مصانع عديدة يخصص معظم إنتاجها للتصدير.
ولا أنسى كذلك ثلاثة مصانع مصرية تنتج المستلزمات الطبية ذات الاستخدام الواحد “Disposable Medical Products”، والتي توفر ما يقرب من 50% من احتياجات المستشفيات البريطانية من هذه المنتجات، واستمرت في التصدير لسنوات طويلة دون تسجيل أي شكوى تتعلق بالجودة.
ولهذا أؤمن أن مصر تسير في الطريق الصحيح، وأن مستقبل الاقتصاد المصري يعتمد بدرجة كبيرة على دعم الصناعة والزراعة والتوسع في التصدير، لأن المنتج المصري، عندما يلتزم بمعايير الجودة العالمية، يستطيع أن ينافس في أي سوق في العالم.
Email: sfarag.media@outlook.

شاهد أيضاً

جمال المتولي جمعة يكتب.. الكتاب المدرسي بين هدر المال العام واستنزاف جيوب الأسر

تنفق الدولة المصرية سنويا مبالغ مالية ضخمة على طباعة الكتب المدرسية الحكومية لمختلف المراحل التعليمية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *