د.سامح صابر يكتب.. ​العزيمة الصادقة


​كان المطر يتساقط بغزارة على زجاج النافذة ، لكن البرد الذي يسكن في جدران أروقة المبنى الإداري للهيئة كان أشد قسوة . خرج “زياد” من مكتب رئيس الهيئة مشدود القامة ، رغم الصخرة التي سقطت على صدره للتو ، ​قبل دقائق فقط . كان يجلس في مواجهة المسؤول الكبير ، الذي قاطعه ببرود وهو يقلب صفحات ملف العرض المسرحي الضخم الذي عمل عليه سامح مع طلابه لستة أشهر متواصلة ،
“يا دكتور زياد ، كفاك تنظيراً عن صناعة الوجدان ، ورسالة الفنون . الجمهور اليوم يريد تسلية خفيفة ، والإدارة لها حسابات وأولويات تختلف عن أحلامك الفنية . مشروعك معقد ومكلف ، وقررنا استبداله بعرض آخر يتناسب مع احتفالية ختام الموسم”.
​حاول سامح الضغط على أعصابه ، أجاب بصوت متزن يغلي تحته البركان ، “يا فندم ، هذا العمل ليس مجرد عرض فني الغرض منه الترفيه ، إنه تدريب لطلابنا على فهم قضايا الإنسان ، على البحث عن الذات… كيف نطلب منهم التنازل قبل أن يبدأوا خطواتهم الأولى؟”.
​أغلق المسؤول الملف بتنهيدة حاسمة ، وابتسم إبتسامة باهتة تحمل كل معاني الاستخفاف ،
“نحن في عالم واقعي يا دكتور ، ولست في المدينة الفاضلة . النص ملغى والقرار نهائي .
ركز في عملك ودع الأمور التنظيمية لنا”.
​خرج زياد إلى الممر ، وكانت نظرات بعض الزملاء الذين آثروا السلامة والامتثال تبدو وكأنها ترثي حاله ، بينما همس أحدهم في أذنه وهو يمر بجانبه ، “ألم أقل لك؟ لا تسبح عكس التيار يا زياد… في النهاية أنت الخاسر”.
​جلس في القاعة المظلمة ، يرتشف مرارة الخيبة . تساءل في لحظة ضعف استبدت به ، هل كان والده مخطئاً؟ هل الفن بالفعل مجرد هامش في دنيا الناس؟.
​وفجأة وسط هذا الشك ، ارتدت به الذاكرة عقوداً إلى الخلف…
​كانت الشوارع ممطرة أيضاً في ذلك الصباح البعيد ، وهو طفل في التاسعة من عمره ، يمسك بيده الصغيرة يد والده الداعمة . كانا يستقلان وسيلة النقل في طريقهما لأول مرة نحو “أكاديمية الفنون”.
​التفت الأب إلى صبيه الصغير ، وبصوت خفيض يمتلئ بالحكمة والوقار ، قال “أتدرك يا بني إلى أين نحن ذاهبان؟ الفن ليس مجرد زينة أو لهو . الفنان والمعلم وجهان لعملة واحدة ، كلاهما يبني في أرض الروح . المعلم يبني العقل ، والفنان ينير الوجدان . كلاهما يصنع الإنسان ، فإن فقدت رسالتك ، فقدت ذاتك… ولا تقاس القيمة بما يراه الآخرون مكسباً أو خسارة”.
​كان الطفل يستمع إلى النبرات الدافئة دون أن يستوعب أبعاد الكلمات كاملة ، لكن رنين الصوت ونظرة العينين ظلتا محفورتين في وجدانه .
​تحول الطفل إلى أستاذ وفنان ، وصارت كلمات الأب عقيدة عمل . ولكن بعد اللقاء الأخير مع المسؤول ، شعر زياد بثقل هزيمة ظاهرية لا تُطاق .
​سار بخطوات ثقيلة نحو قاعة التمارين ليزف إلى طلابه الخبر الحزين . لكنه حين فتح باب القاعة ، لم يجد دموعاً ولا انكاسراً كما توقع .
​كانت القاعة مضاءة ببعض كشافات الهواتف المحمولة . الطلاب يلتفون في حلقة ، وعلى أجسادهم أزياء الشخصيات التي صنعوها بأيديهم ومن نفقاتهم الخاصة .
​تقدمت منه إحدى الطالبات ، وبدلاً من أن تشتكي، قدمت له كراسة مدوناً فيها النص المسرحي كاملاً بخط أيديهم ، وقالت بابتسامة يملؤها اليقين ، “دكتور زياد.. سمعنا بالقرار . هم ألغوا العرض ، لكنهم لا يستطيعون إلغاء ما غرزته فينا . لقد اتفقنا جميعاً ، سنقدم العرض في ساحة المسرح المفتوح بجهودنا الذاتية ، وسندعو الجمهور بنفسنا”.
​ثم تقدمت طالبة اخرى ، كانت في بداياتها تتسم بالاستهتار وعدم الشغف ، لكنها تتحدث الآن بنبرة فتاة ناضجة ،”حضرتك علمتنا إن الفنان مش مجرد موظف ينتظر التصفيق ، الفنان رسالة وموقف . لو تنازلنا النهاردة عشان قرار إداري ، هنفضل طول عمرنا بنتنازل . احنا مش خسرانين يا دكتور… احنا كسبنا أنفسنا بسببك”.
​وقف وسطهن ، تنظر عيناه إلى وجوههم المشتعلة بالإيمان والشغف . في تلك اللحظة بالذات ، اختفت كل غيوم الخيبة التي خلفها لقاؤه بالمسؤول . رأى في عيون هؤلاء الشباب غراساً أنبتت وأثمرت ، وشعر أن المعركة لم تكن أبداً خاسرة .
​تراجع إلى الخلف خطوة ، ونظر نحو سقف القاعة المظلمة ، وكأن صوت والده يتردد في المكان ملء السمع والبصر ، (كلاهما يعمل على بناء الإنسان…) .
انتهت البروفة الأخيرة على إيقاع الأمل ، وعبرت القاعة المظلمة شرارة استردت نضارتها الأولى . لم يتوقف الشغف عند حدود ساحة المسرح ، بل انطلق الطلاب بثبات نحو المراكز الثقافية ، السفارات ، والجامعات ، يروون قصتهم ويروجون لرسالتهم ، حتى بيعت أكثر من ألفين تذكرة في أيام معدودة .
​وفي الليلة الموعودة ، أضيئت ساحة المسرح المفتوح وسط حشد جماهيري غفير تحت رزاز المطر الخفيف . قدم الطلاب أفضل أداء في حياتهم ، أداءً ينبض بالصدق والإيمان ، حتى اهتزت جنبات الساحة بالتصفيق الحار وانهمرت الإشادات من النقاد . سرعان ما تصدر العرض عناوين المواقع الفنية والثقافية ، التي كتبت عن المعجزة الشابة التي أضاءت عتمة الإحباط .
​أمام هذا النجاح الجماهيري والإعلامي الهائل ، تغيرت الحسابات الإدارية . اتصل المسؤول الكبير بزياد ، بلهجة تكسوها الندامة والمواربة ، يطلب منه رسمياً نقل العرض إلى المسرح الكبير ليكون واجهة الموسم الفني . تبسم زياد ابتسامة هادئة ، وقبل الطلب لا بدافع الغرور ، بل ليثبت أن العزيمة الصادقة لا تحجبها القرارات .
​كان المسرح الكبير مجرد بداية ، إذ انطلق العرض في جولة واسعة طافت مختلف المحافظات ، من الإسكندرية إلى أقصى الصعيد ، يزرع الأمل ويضيء العقول في كل بقعة يحل بها .
ولم تقف الرحلة عند هذا الحد أيضاً ، بل توجت المسيرة بقرار وزاري رسمي يرشح العرض ليمثل مصر في أحد أكبر المهرجانات الفنية الدولية خارج البلاد .
​وقف في مطار القاهرة وسط طلابه ، يحملون حقائبهم وأزياءهم بشغف لا يحده أفق . نظر إلى تذكرته ونطق بثقة ، “الفن رسالة تنير الوجدان… ولا ينطفئ قنديل عاهد صاحبه أن يظل مضيئاً”.
​انهمرت دمعة دافئة من عينيه ، مسحها بابتسامة رضا واعتزاز ، وقال لطلابه بصوت واثق ،
“إذن… لنبدأ رحلة تشريف بلدنا الحبيب”.
​ثم همس في سره بنبض يفيض بالامتنان ،
“شكراً والدي… لقد فهمت الدرس كاملاً الآن”.

شاهد أيضاً

روضة الحاج تكتب.. يا سيِّدي يا رسولَ اللهِ

يا سيِّدي يا رسولَ اللهِ حافيةٌكلُّ القصائدِ أعيا مِشيَها النَصَبُ والأبجدياتُ أصواتٌ مُلفَّقةٌتقاصرتْ دونكَ الأسفارُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *