كان السؤال كالصفعة على وجه الأب ، حين داهمه به ولده ، ماذا تركت لنا ، ورغم مافي السؤال من فجاجة تصل حد الوقاحة ، إلا أن الأب تمالك نفسه ، وهدأ من روعه ، وأغمض عينيه ، وراح يلوك السؤال في أعماق نفسه ، وفي أزقة عقله ، ويبحث في جوانحه عن إجابة تقنع هذا الابن المُتبجح !!.
ماذا تركت لنا ، صحيح ، وهذا الأب لايملك من الدنيا سوي دار ودوار وبعضاً من رؤوس الماشية ، وفدادنين ورثهما عن أمه التي تملكتهما من الإصلاح الزراعي ، لا قصور ولا فيلات ولا أطيان ولا مصانع ولا أرصدة في البنوك ، ولا أسهم في البورصة ، ولاحتى شهادة استثمار بنكية !!.
ماذا يقول لابنه ، هل يقول له بأنه أورثه العلم والتعليم الجيد ، سيضحك الولد مِلء شدقيه ساخراً في أعماقه ؛ فهناك ملايين المُتعلمين من ذوي الشهادات العليا ينامون فوق الرصيف ، ويبيعون فريسكا على الشواطئ ، ويركبون تكاتك ، ويعملون نوادل في الكافيهات ، كما أن [ عمه ] الجاهل الذي لايفك الخط صار مليونيراً ، وعضواً في البرطمان ، بل وأصدر جريدة ، استأجر فيها كبار الصحفيين لكيّ يكتبوا باسمه مقالاً في افتتاحية الجريدة كل أسبوع ، ثم تستضيفه برامج [ التوك شو ] بصفته مُفكراً استراتيجيّاً فحلاً ، وهو لايعرف الفرق بين الرأسمالية والطعمية ، ولا بين مجموعة العشرين ومجموعة الانفلونزا ، ولابين البريكس والشويبس !!.
إذن سيقول له بأنه زرع فيهم الأخلاق ، فوراً سيخرج الولد لسانه ، عن أي أخلاق تتكلم ياوالدي ، وهذا زمن [ محجوب عبد الدايم ] ، زمن قذر والأقذر هو الذي يعلو ويكبر ، ألم يأتك نبأ هذا الفنان الصعلوك الذي بحوزته ست عشرة سيارة ، ويغسل وجهه بصابونه من الذهب ، وكل مهمته الترويج لقلة الأخلاق وقلة الأدب ، وتنشيط جينات السفالة والنطاعة والبلطجة وانعدام الضمير !!.
طال مشوار الأب مع نفسه ، وغابت غمغمته وسرحانه ، وكأنه غواص سحبته الموج إلى الأعماق ، حتى أوشك أن يختنق !!.
أخيراً ، رفع الأب المصدوم رأسه في ثقة ، وكأن وحيّاً أتاه من السماء ، أو إلهاماً هداه إلى جواب استقر في عقله ، وقال لولده :
- إسمع يا بُنيّ ، لقد وضعت أمام عينيّ منذ أن رزقني الله بكم ، تلك الآية الكريمة ، لتكون لي نبراساً ، وسِراجاً منيرا :
( وليَخشَ الذين لو تركوا من خلفِهِم ذُريةً ضِعافاً خافوا عليهم ، فليتقوا الله وليقولوا قُوّلاً سديدا ) صدق الله العظيم [ التاسعة من سورة النساء ] !!.
تقوى الله ، والقول السديد !!.
وأظنني اتقيّتُ الله في كل حركاتي وسكناتي ، وقُلتُ ولازلت أقول قولاً سديداً وفق قناعاتي ومعارفي !!.
هذا ماتركته لك يابُنيّ ، سواءً أقنعك هذا أو لم يُقنعك ، فغداً سوف تعرف قيمته !!.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة