وازداد قرب حياة من أمجد أكثر، بالطبع، بعد وفاة والدتها، وأصبح متاحًا لها أن تخرج معه، إما إلى حفلات السينما الصباحية أو إلى أحد المطاعم على نيل القاهرة لتناول وجبة الغداء. وانتهت السنة الثالثة لنا في الجامعة بعد أن تزوجت أنا، وجاء الصيف، وبدأ والد أمجد يطلب منه الجلوس في محلاتهم الكبيرة في وسط القاهرة، وأصبح لا يرى حياة إلا يوم الجمعة، وهو يوم عطلة المحل، ولكن ظلت مكالمات التليفون بينهما كل ليلة، مثل عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز في فيلم “الوسادة الخالية”.
وبدأت السنة الرابعة، وبدأ أمجد يعود مرة أخرى إلى الجامعة، وفجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، حيث أصيب والد أمجد بجلطة منعته من النزول من المنزل إلى العمل، وبدأ أمجد يتولى إدارة أعمال والده الكبيرة، ولذلك لم يكن يحضر إلى الجامعة إلا يومين في الأسبوع، أما يوم الجمعة فكان يتناول الغداء مع حياة في أحد المطاعم على نهر النيل. وظلت العلاقة بينهما عفيفة كريمة، وكان أمجد شابًا محترمًا إلى أقصى درجة، لأنه تربى في هذه المنطقة الشعبية في وسط القاهرة، وسط تقاليد أسرية يحترم فيها الشاب والفتاة بعضهما البعض.
وانهمك أمجد في إدارة أعمال والده، وكانت حياة تقضي معي أيامًا كثيرة، خاصة في الصباح عندما يكون زوجي في عمله. ولاحظت حياة أن زوجة الأب بدأت تعاملها بطريقة مهذبة للغاية، بل كانت تحاول التودد إليها باستمرار. أما والدها، وهو صاحب شركة مقاولات كبيرة، فكان منهمكًا معظم الوقت في عمله، لكنه أصبح أكثر عطفًا على ابنته، خصوصًا مع تقدمه في العمر.
وفجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، ونحن في أواخر السنة الرابعة من الجامعة، حيث اتصل بي أمجد في التليفون وطلب أن يراني في الجامعة مبكرًا قبل وصول حياة. وهنا جاء الخبر كالصاعقة. لقد طلب منه والده أن يتزوج ابنة أحد أصدقائه وكان أمجد هو الابن الوحيد له وبكى والده وهو يخبره أن أمله الوحيد قبل أن يغادر الحياة أن يراه متزوجًا من هذه الفتاة، ابنة صديقه، خاصة أن الفتاة مؤدبة وتعيش معهم في نفس الحي ونفس المنطقة، وسوف تتخرج من الجامعة مثله في العام القادم.
واستمر أمجد يحكي والدموع تتحجر في عينيه، وقال لي: “أنا لا أعلم ماذا أفعل. أنا أمل والدي الوحيد، ولا أستطيع أن أرفض له طلبًا، وعلى الجانب الآخر أنا لن أستطيع الحياة بدون حياة. إنها كل أحلامي وآمالي، ولا أتصور أن تنتهي كل هذه السنوات التي عشناها من خلال مكالماتنا التليفونية. لقد اخترنا أسماء أولادنا، وأين سنعيش وكيف ستكون حياتنا”.
واستمر في الكلام، وبدأت عيناه تذرفان الدموع، وقال: “أنا لا أستطيع أن أرفض لوالدي طلبًا. نحن أسرة مترابطة، وخاصة أن أمي وأخواتي سعداء بهذه العروسة الجديدة”. ثم قال لي: “دبريني يا نورا”.
ولم أستطع الإجابة. كان كل تفكيري في حياة، صديقة العمر هي وهنادي، وقلت له: “اتركني الآن”.
وجاءت حياة بعد قليل، وفي نهاية اليوم قالت لي: “سوف أعود معك إلى منزلك”. وفي الطريق قالت لي: “أنا حاسة إن أمجد بدأ يتغير شوية”. وسألتها: “هل قال لك شيئًا؟”، فقالت: “لا، ولكني أرى في عينيه شيئًا مختلفًا”.
ولم أستطع أن أقول لها شيئًا، وطلبت من أمجد ألا يحكي لها أي شيء حتى تنتهي فترة الامتحانات، لأنه مهما كان القرار، فإن حياة لن تتحمل هذه الصدمة وهي مقبلة على امتحانات نهاية العام.
وفجأة أبلغني أمجد أن والده قرر أن تتم الخطوبة في الأسبوع القادم على الفتاة التي اختارها له، وأنه ينوي أن يتم الزواج بعد شهر أو شهرين، حيث كان الوالد يشعر أن صحته تتدهور، وكان يريد أن يفرح بابنه، وربما يرى أحفاده قبل أن يغادر الحياة.
وهنا لم يعد أمامنا سوى أن نحكي لحياة كيف تسير الأمور. لذلك طلبت منها أن تأتي لتقضي معي أنا وزوجي يومي الخميس والجمعة، وبالفعل أبلغناها بالقصة.
وانهارت حياة تمامًا، ولم تصدق أن كل شيء يمكن أن ينتهي بهذه الصورة بعد كل هذه السنوات. وجلسنا معها طوال الليل، ولم تبدأ في الهدوء إلا بعد أن تناولت مهدئًا ونامت.
وفي الصباح عادت إلى منزلها، ليخبرها والدها أن زوجته تطلب منها السفر معهما إلى الإسكندرية لقضاء عدة أيام. ولم تمانع حياة، لأنها كانت تريد أن تخرج من هذه الصدمة، وسافرت لمدة أسبوع إلى الإسكندرية، وكنا نتحدث يوميًا عدة مرات.
ولكن جاءت المفاجأة في الإسكندرية.
فقد وصل شقيق زوجة والدها ليتناول معهم الغداء في فندق فلسطين، وكان دبلوماسيًا يعمل في إحدى السفارات المصرية في الخارج، ويبدو أنه جاء إلى مصر في إجازة قصيرة، فدعته شقيقته للغداء معهم لكي ترحب به.
وبالطبع، انبهر هذا الدبلوماسي الأنيق بشخصية حياة، الفتاة الجميلة البسيطة المثقفة.
وظل معهم يومين في الإسكندرية، ولا تعرف هل هو القدر الذي جعله يقضي معهم الإفطار صباحًا، ثم معظم ساعات اليوم.
وفي يوم عودتهم إلى القاهرة، دخل والد حياة وزوجته إلى غرفتها ليبلغاها بالمفاجأة الجديدة:
هذا الدبلوماسي الأنيق يريد أن يتزوجها ونستكمل الحكاية في المقال القادم.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
