المسرحي المغربي محمد أمين مداح يكتب.. كوابيس مسرحية : حين تضعف الحكاية ولا ينقذها الركح

في السنوات الأخيرة، أصبحنا نشاهد عروضًا مسرحية كثيرة، بعضها يملك ممثلين جيدين، وبعضها يشتغل على السينوغرافيا والإضاءة والموسيقى والصورة، وبعضها يستفيد من تقنيات بصرية حديثة تجعل الخشبة أكثر جاذبية. ومع ذلك، يحدث أحيانًا أن نخرج من العرض ونحن نتساءل: ماذا حدث بالضبط؟ ولماذا حدث؟ وإلى أين كان يريد العرض أن يصل؟
هنا تبدأ مشكلة لا علاقة لها بالضرورة بقدرة الممثل أو بجمال السينوغرافيا، وإنما بشيء أكثر عمقًا: الحبكة الدرامية والدراماتورجيا.
فالمسرح ليس مجرد مجموعة من المشاهد الموضوعة جنبًا إلى جنب، وليس تراكمًا للحوار والحركة والصورة والموسيقى. المسرح، قبل كل شيء، هو فعل يتطور أمام المتفرج. وكل فعل يحتاج إلى ضرورة درامية تجعله يحدث، وإلى نتيجة تترك أثرًا فيما يأتي بعده.
هناك اعتقاد شائع بأن النص الذي يحتوي على أحداث كثيرة هو نص غني دراميًا. لكن كثرة الأحداث لا تعني بالضرورة وجود حبكة.
قد نشاهد شخصية تدخل، ثم تخرج شخصية أخرى، ثم يحدث خلاف، ثم تأتي معلومة جديدة، ثم تقع مفاجأة، ثم ننتقل إلى مشهد آخر… ومع ذلك لا تتشكل أمامنا حكاية متماسكة.
الحبكة ليست في عدد الأحداث، بل في العلاقة التي تربط بينها.
ماذا أحدث الحدث الأول في الحدث الثاني؟ وماذا غيّر الحدث الثاني في الشخصيات؟ ولماذا أصبح المشهد الثالث ضروريًا بعد المشهد الثاني؟
إذا استطعنا حذف مشهد كامل من العرض دون أن يتغير شيء جوهري في مساره، فهنا علينا أن نتوقف ونسأل عن وظيفة هذا المشهد.
المسرح لا يحتمل كثيرًا الأشياء التي توجد فقط لأنها جميلة أو لأنها ممتعة. الجمال وحده لا يصنع الدراما.
كلمة “دراماتورجيا” أصبحت حاضرة بقوة في الخطاب المسرحي، لكن استعمالها أحيانًا يتحول إلى مصطلح غامض يوضع في ملف العرض دون أن نلمس أثره الحقيقي داخل العمل.
الدراماتورجيا، في جوهرها، هي السؤال عن كيف يتحول النص أو الفكرة إلى فعل مسرحي له منطق داخلي.
إنها تشتغل على الصراع، وعلى الشخصيات، وعلى توزيع المعلومات، وعلى الإيقاع، وعلى الانتقالات، وعلى ما يعرفه المتفرج وما تجهله الشخصية، وعلى اللحظة التي يجب أن تظهر فيها المعلومة، وعلى ما الذي يتغير بعد كل مشهد.
ولهذا فإن الدراماتورجيا ليست عملية تجميل للنص بعد كتابته، بل هي جزء من بناء العمل نفسه.
قد تكون لدينا فكرة عظيمة، وموضوع مهم، ورسالة نبيلة، ولكن ذلك كله لا يكفي لصناعة مسرحية.
الفكرة ليست دراما.
أن أقول إنني أريد الحديث عن الفساد أو السلطة أو العزلة أو الموت أو الحب أو الذاكرة، فهذا موضوع. أما كيف أجعل هذه الفكرة تتحول إلى صراع وفعل وشخصيات وقرارات ونتائج، فهنا تبدأ الكتابة المسرحية.
ومن أكثر مظاهر ضعف البناء الدرامي أن تتحول الشخصيات إلى متحدثين فوق الخشبة.
الشخصية تشرح تاريخها، وتشرح موقفها، وتشرح مشاعرها، وتشرح ما حدث قبل بداية المسرحية، ثم تشرح أحيانًا ما سيحدث لاحقًا.
فتصبح الخشبة مكانًا لتقديم المعلومات بدل أن تكون مكانًا لحدوث الفعل.
المتفرج لا يحتاج دائمًا إلى أن تخبره الشخصية بأنها خائفة. يمكن أن نرى الخوف في سلوكها.
لا يحتاج بالضرورة إلى أن تقول إنها تكره الشخصية الأخرى. يمكن أن يكشف الصراع ذلك.
وهنا تظهر إحدى وظائف المسرح الأساسية: أن يجعلنا نرى ما يمكن للكلام وحده أن يخبرنا به.
ليس معنى ذلك أن الحوار غير مهم. على العكس، الحوار المسرحي أساسي، لكن قوته تظهر عندما يكون جزءًا من الفعل وليس بديلًا عنه.
لا يمكن أن تكون الشخصية حاضرة على الخشبة دون أن يكون لديها، بطريقة أو بأخرى، شيء تسعى إليه.
قد تريد الخروج من السجن، قد تريد اعترافًا، قد تريد الانتقام، قد تريد الحقيقة، قد تريد أن تخفي الحقيقة، وقد تريد حتى ألا يحدث شيء.
لكن يجب أن تكون هناك إرادة، ولو كانت خفية.
عندما لا تريد الشخصية شيئًا، ولا تواجه عائقًا حقيقيًا، يصبح وجودها الدرامي ضعيفًا مهما كان الممثل الذي يؤديها جيدًا.
وهنا يجب التفريق بين الشخصية الجيدة دراميًا والممثل الجيد في أدائها.
قد يقدم الممثل أداءً رائعًا لشخصية مكتوبة بشكل ضعيف. وهذا ليس تناقضًا.
الممثل قد يمنح الشخصية حياة وحضورًا وعمقًا، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يخترع لها صراعًا لم يمنحه النص.
ومن الأخطاء التي تتكرر أيضًا اختزال الصراع في الشجار.
الصراع يمكن أن يكون صامتًا.
يمكن أن يكون بين شخص ورغبته، وبين شخص وذاكرته، وبين الإنسان والنظام، وبين الحقيقة والخوف، أو بين ما تريد الشخصية أن تقوله وما تضطر إلى إخفائه.
حتى الصمت يمكن أن يكون صراعًا إذا كان وراءه شيء يمنع الشخصية من الكلام.
وهنا تصبح الدراماتورجيا أكثر ذكاءً عندما لا تقدم كل شيء مباشرة.
المتفرج يحب أن يكتشف، لا أن يتلقى كل شيء جاهزًا.
وربما تكون النهاية أكثر الأماكن التي تكشف ضعف البناء الدرامي.
نشاهد أحيانًا عرضًا يبدأ بسؤال كبير، ويخلق توقعًا لدى المتفرج، ثم تتوالى الأحداث، لكن النهاية تأتي وكأنها منفصلة عما سبق.
تنتهي المسرحية، لكن المتفرج لا يشعر أن الصراع انتهى.
هناك فرق كبير بين نهاية العرض واكتمال المسار الدرامي.
يمكن للمسرحية أن تنتهي دون أن تجيب عن كل الأسئلة، ويمكن أن تترك المتفرج في حالة شك، بل قد يكون ذلك أجمل ما فيها. لكن يجب أن يشعر المتفرج أن النهاية خرجت من رحم ما شاهده.
حتى النهاية المفتوحة تحتاج إلى بناء.
الغموض ليس غيابًا للمنطق.
والمفاجأة ليست أن نضع معلومة لم تكن موجودة أصلًا ثم نكشفها في آخر دقيقة.
المفاجأة الحقيقية هي أن تجعل المتفرج يقول بعد النهاية: “لم أتوقع ذلك… لكنه كان موجودًا أمامي طوال الوقت.”
الإخراج يستطيع أن يفعل الكثير. يمكن للمخرج أن يعيد ترتيب الإيقاع، وأن يستثمر الفضاء، وأن يستخدم الإضاءة والصوت والصورة، وأن يمنح المشاهد معنى إضافيًا، وأن يساعد الممثل على بناء الشخصية.
لكن هناك حدودًا لما يستطيع الإخراج فعله.
إذا كانت المشكلة في قلب البناء الدرامي، فلا يمكن دائمًا للإضاءة أو الموسيقى أو الفيديو أو السينوغرافيا أن تحلها.
التقنيات المسرحية يمكن أن تدهشنا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع صراعًا.
وقد يحدث أحيانًا أن يصبح العرض جميلًا بصريًا إلى درجة تجعلنا ننسى للحظات أنه ضعيف دراميًا. لكن بعد مغادرة القاعة، حين تختفي الصورة والموسيقى والإضاءة، يبقى السؤال:
ماذا بقي من العرض؟
وهنا يظهر الفرق بين العرض الذي يدهشنا لحظيًا والعرض الذي يظل يشتغل داخلنا بعد انتهاء التصفيق.
وقد يقول قائل: ماذا عن المسرح العبثي؟ ماذا عن المسرح التجريبي؟ ماذا عن العروض التي لا تقوم على الحكاية التقليدية؟
صحيح.
المسرح ليس ملزمًا ببناء كلاسيكي يقوم على بداية ووسط ونهاية، وليس مطلوبًا من كل مسرحية أن تقدم حكاية واضحة ومغلقة.
لكن التخلي عن الحبكة التقليدية لا يعني التخلي عن البناء.
حتى العبث يحتاج إلى منطق داخلي.
حتى التكرار يمكن أن يكون له وظيفة.
حتى غياب الحدث يمكن أن يكون فعلًا دراميًا.
وحتى الصمت يمكن أن يحمل توترًا.
المشكلة ليست أن العرض لا يشبه البناء الكلاسيكي؛ المشكلة حين لا يمتلك أي بناء بديل يجعل عناصره تتفاعل وتنتج معنى.
وهنا لا يمكن تحميل الكاتب وحده كل المسؤولية.
في المسرح المعاصر، يمكن أن تكون الدراماتورجيا فعلًا جماعيًا تشارك فيه الكتابة والإخراج والتشخيص والعمل على الخشبة.
لكن المسؤولية المشتركة لا تعني غياب المسؤولية.
يجب أن نسأل أثناء الاشتغال:
لماذا هذا المشهد؟ لماذا الآن؟ ماذا تغير بعده؟ ماذا تريد الشخصية؟ ما الذي يمنعها؟ ما المعلومة التي يعرفها المتفرج ولا تعرفها الشخصية؟ متى يجب أن نكشفها؟ ماذا سيحدث إذا حذفنا هذا المشهد؟ هل النهاية نتيجة لما سبق أم مجرد توقف؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف أحيانًا مشاكل كبيرة قبل أن تصل المسرحية إلى الجمهور.
وأحيانًا، عندما لا يفهم المتفرج عرضًا ما، نسارع إلى القول إنه لم يفهم العمل، أو أنه غير معتاد على المسرح التجريبي.
قد يكون ذلك صحيحًا في بعض الحالات.
لكن يجب أن نسأل أيضًا سؤالًا معاكسًا:
هل أعطاه العرض ما يكفي من المفاتيح لكي يدخل عالمه؟
ليس مطلوبًا من المسرح أن يشرح نفسه، لكنه مطالب بأن يبني عالمه بقواعده الخاصة.
المتفرج لا يحتاج إلى أن يفهم كل شيء، لكنه يحتاج إلى أن يشعر بأن هناك شيئًا يستحق أن يبحث عنه.
والفرق كبير بين الغموض الذي يفتح التأويل والغموض الذي يخفي غياب البناء.
المسرح ليس مسابقة في عدد التقنيات المستعملة، ولا في عدد القضايا التي يمكن أن يحملها النص، ولا في كثرة الكلام فوق الخشبة.
يمكن لمسرحية بسيطة جدًا، بديكور شبه غائب، وممثلين اثنين فقط، أن تكون أكثر قوة من عرض ضخم مليء بالصورة والموسيقى والتقنيات.
لأن المسألة في النهاية ليست في حجم ما نضعه على الخشبة، وإنما في ضرورة ما نضعه عليها.
الحبكة ليست قيدًا على الإبداع، والدراماتورجيا ليست عدوًا للتجريب.
على العكس، هي التي تمنح الفوضى الفنية شكلًا، وتمنح الصمت معنى، وتمنح الحركة ضرورة، وتمنح الشخصية سببًا لكي تكون موجودة.
قد ينسى المتفرج اسم التقنية التي استُعملت في العرض، وقد لا يتذكر شكل الديكور، لكنه غالبًا سيتذكر الإحساس الذي تركه الصراع، والسؤال الذي حمله معه بعد خروجه من القاعة.
وهنا، في رأيي، يبدأ المسرح الحقيقي:
عندما لا تنتهي الحكاية مع إسدال الستار، بل تبدأ داخل المتفرج.
وفي الأخير، لا أقصد بهذا المقال أي شخص أو أي فرقة أو أي عرض بعينه، وإنما هو مجرد رأي شخصي وانطباع نابع من متابعتي واهتمامي بالمسرح. وربما أكون مخطئًا في بعض الأفكار أو المعلومات التي طرحتها، لذلك أتمنى من أهل الاختصاص والممارسين في مجال الدراماتورجيا والكتابة المسرحية أن يصححوا لي ما قد أكون أخطأت فيه، وأن يساهموا بآرائهم في إثراء هذا النقاش.
وفي النهاية، ومع اقتراب افتتاح الموسم المسرحي، نتمنى أن نرى عروضًا مسرحية في المستوى المطلوب، عروضًا تحمل أفكارًا جميلة، وبناءً دراميًا متماسكًا، واجتهادًا حقيقيًا في الكتابة والإخراج والتشخيص، وأن يكون هذا الموسم مناسبة لمزيد من الحوار والتجريب والتطور داخل مشهدنا المسرحي.

شاهد أيضاً

«الاستعلامات» واتحاد الإعلاميين يبحثان برامج التعاون والتدريب

كتب عادل البكل استقبل السفير علاء يوسف، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، بمكتبه بالقاهرة، وفداً من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *